البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحجرات · الآية ١٥

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن مقالة الأعراب الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولا من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا: آمنا أي: إيمانا كاملا، مستوفيا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله أن يرد عليهم، فقال: { قل لم تؤمنوا } أي: لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرا وباطنا، كاملا. { ولكن قولوا أسلمنا } أي: دخلنا في الإسلام، واقتصروا على ذلك. { و } السبب في ذلك، أنه { لما يدخل الإيمان في قلوبكم } وإنما آمنتم خوفا، أو رجاء أو نحو ذلك، مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي قوله: { لما يدخل الإيمان في قلوبكم } أي: وقت هذا الكلام الذي صدر منكم، فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرا منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، { وإن تطيعوا الله ورسوله } بفعل خير، أو ترك شر { لا يلتكم من أعمالكم شيئا } أي: لا ينقصكم منها مثقال ذرة، بل يوفيكم إياها أكمل ما تكون لا تفقدون منها صغيرا ولا كبيرا، { إن الله غفور رحيم } أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل توبته. { إنما المؤمنون } أي: على الحقيقة { الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي: من جمعوا بين الإيمان والجهاد في سبيله، فإن من جاهد الكفار، دل ذلك على الإيمان التام في القلب، لأن من جاهد غيره على الإسلام، والقيام بشرائعه، فجهاده لنفسه على ذلك، من باب أولى وأحرى ولأن من لم يقو على الجهاد، فإن ذلك دليل على ضعف إيمانه، وشرط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك، لأن الإيمان النافع هو الجزم اليقيني بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا يعتريه شك بوجه من الوجوه. وقوله: { أولئك هم الصادقون } أي: الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الجميلة، فإن الصدق دعوى كبيرة في كل شيء يدعى يحتاج صاحبه إلى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} . وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، عليه السلام، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. قال (1) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا، وهو مؤمن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو مسلم" حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أو مسلم" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم فلم أعطيه شيئا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم". أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (2) . فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على (3) أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري، رحمه الله، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٨٤) ↗

التحرير والتنوير

… فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فنزلت هذه الآية. والأعراب: سكان البادية من العرب. وأحسب أنه لا يطلق على أهل البادية من غير العرب، وهو اسم جمع لا مفرد له فيكون الواحد منه بياء النسبة أعرابي. وتعريف الأعراب تعريف العهد لأعراب معينين وهم بنو أسد فليس هذا الحكم الذي في الآية حاقا على جميع سكان البوادي ولا قال هذا القول غير بني أسد. وهم قالوا آمنا حين كانوا في شك لم يتمكن الإيمان منهم فأنبأهم الله بما في قلوبهم وأعلمهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب لا بمجرد اللسان لقصد أن يخلصوا إيمانهم ويتمكنوا منه كما بينه عقب هذه الآية بقوله: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله الآية. والاستدراك بحرف (لكن) لرفع ما يتوهم من قوله: لم تؤمنوا أنهم جاؤوا مضمرين الغدر بالنبيء صلى الله عليه وسلم. وإنما قال: ولكن قولوا أسلمنا تعليما لهم بالفرق بين الإيمان والإسلام فإن الإسلام مقره اللسان والأعمال البدنية، وهي قواعد الإسلام الأربعة: الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج الكعبة الوارد في حديث عمر عن سؤال جبريل النبيء صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذبهم الله في قولهم آمنا ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله، وأنه لا يتعد بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان، فلا يغني أحدهما بدون الآخر، فالإيمان بدون إسلام عناد، والإسلام بدون إيمان نفاق، ويجمعهما طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكان مقتضى ظاهر نظم الكلام أن يقال: قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، أو أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا، ليتوافق المستدرك عنه والاستدراك بحسب النظم المتعارف في المجادلات، فعدل عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗