البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة محمد · الآية ٨

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا أمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره. وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان. { وأضل أعمالهم } أي: أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله. ذلك الإضلال والتعس للذين كفروا، بسبب أنهم { كرهوا مآ أنزل الله } من القرآن الذي أنزله الله، صلاحا للعباد، وفلاحا لهم، فلم يقبلوه، بل أبغضوه وكرهوه، { فأحبط أعملهم }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ٧–٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا} أي: أهلكتموهم قتلا {فشدوا} [وثاق] (1) الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله، سبحانه، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ فقال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68] . ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية -المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه-منسوخة بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد] } (2) الآية [التوبة: 5] ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج. وقال الآخرون -وهم الأكثرون-: ليست بمنسوخة. ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت (3) . وزاد الشافعي، رحمه الله، فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضا. وهذه المسألة محررة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٩٣) ↗

التحرير والتنوير

ومعنى نصرهم الله: نصر دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الله غني عن النصر في تنفيذ إرادته كما قال: ولو يشاء الله لانتصر منهم [محمد: 4] . ولا حاجة إلى تقدير مضاف بين تنصروا واسم الجلالة تقديره: دين الله، لأنه يقال: نصر فلان فلانا، إذا نصر ذويه وهو غير حاضر. وجيء في الشرط بحرف إن الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليجعل المطلوب به كالذي يشك في وفائه به. وتثبيت الأقدام: تمثيل لليقين وعدم الوهن بحالة من ثبتت قدمه في الأرض فلم يزل، فإن الزلل وهن يسقط صاحبه، ولذلك يمثل الانهزام والخيبة والخطأ بزلل القدم قال تعالى: فتزل قدم بعد ثبوتها [النحل: 94] . [8، 9] والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) هذا مقابل قوله: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم [محمد: 4] فإن المقاتلين في سبيل الله هم المؤمنون، فهذا عطف على جملة والذين قتلوا في سبيل الله [محمد: 4] الآية. والتعس: الشقاء ويطلق على عدة معان: الهلاك، والخيبة، والانحطاط، والسقوط، وهي معان تحوم حول الشقاء، وقد كثر أن يقال: تعساله، للعاثر البغيض، أي سقوطا وخرورا لا نهوض منه. ويقابله قولهم للعاثر: لعا له، أي ارتفاعا، قال الأعشى: بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أولى لها من أن أقول لعا وفي حديث الإفك: فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح لأن العثار تعس. ومن بدائع القرآن وقوع فتعسا لهم في جانب الكفار في مقابلة قوله للمؤمنين: ويثبت أقدامكم [محمد: 7] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٨٥) ↗