سورة محمد · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا أمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره. وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان. { وأضل أعمالهم } أي: أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله. ذلك الإضلال والتعس للذين كفروا، بسبب أنهم { كرهوا مآ أنزل الله } من القرآن الذي أنزله الله، صلاحا للعباد، وفلاحا لهم، فلم يقبلوه، بل أبغضوه وكرهوه، { فأحبط أعملهم }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ٧–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه". قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: "غشمه وظلمه، ولا يكسب (1) عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل (2) منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" (3) . والصحيح القول الأول؛ قال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} الآية. قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل، أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ثم رواه (4) ابن جرير، وابن ماجه، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٦٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الحقوق التي فرضناها عليكم. وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} [البقرة: 254] قال: " من الزكاة والتطوع {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] يقول: ادخروا لأنفسكم عند الله في دنياكم من أموالكم بالنفقة منها في سبيل الله، والصدقة على أهل المسكنة والحاجة، وإيتاء ما فرض الله عليكم فيها، وابتاعوا بها ما عنده مما أعده لأوليائه من الكرامة، بتقديم ذلك لأنفسكم ما دام لكم السبيل إلى ابتياعه بما ندبتكم إليه، وأمرتكم به من النفقة من أموالكم. {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} [البقرة: 254]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٤/٥٢٣) ↗التحرير والتنوير
فجملة فلن يضل أعمالهم خبر عن الموصول، وقرنت بالفاء لإفادة السببية في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيرا ما يشرب معنى الشرط فيقرن خبره بالفاء، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل قتلوا منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط. وجملة سيهديهم وما عطف عليها بيان لجملة فلن يضل أعمالهم. وتقدم الكلام آنفا على معنى إضلال الأعمال وإصلاح البال. ومعنى عرفها لهم أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها، فالجملة حال من الجنة، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون في أنهم داخلونها، وذلك من تعجيل الفرح بها. وقيل: عرفها جعل فيها عرفا، أي ريحا طيبا، والتطييب من تمام حسن الضيافة. وقرأ الجمهور قاتلوا بصيغة المفاعلة، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم وأمواتهم. وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم قتلوا بالبناء للنائب، فعلى هذه القراءة يكون مضمون الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان في الآخرة. [7] يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) لما ذكر أنه لو شاء الله لا نتصر منهم علم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصر الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين. فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة. وافتتح الترغيب بندائهم بصلة الإيمان اهتماما بالكلام وإيماء إلى أن الإيماء يقتضي منهم ذلك، والمقصود تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٨٤) ↗