البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة محمد · الآية ٣٠

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } من شبهة أو شهوة، بحيث تخرج القلب عن حال صحته واعتداله، أن الله لا يخرج ما في قلوبهم من الأضغان والعداوة للإسلام وأهله؟ هذا ظن لا يليق بحكمة الله، فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب، وذلك بالابتلاء بالمحن، التي من ثبت عليها، ودام إيمانه فيها، فهو المؤمن حقيقة، ومن ردته على عقبيه فلم يصبر عليها، وحين أتاه الامتحان، جزع وضعف إيمانه، وخرج ما في قلبه من الضغن، وتبين نفاقه، هذا مقتضى الحكمة الإلهية، مع أنه تعالى قال: { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } أي: بعلاماتهم التي هي كالوسم في وجوههم. { ولتعرفنهم في لحن القول } أي: لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم عليها. ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده، وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: { ولنبلونكم } أي: نختبر إيمانكم وصبركم، { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم } فمن امتثل أمر الله وجاهد في سبيل الله لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا، ومن تكاسل عن ذلك، كان ذلك نقصا في إيمانه.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ٢٩–٣١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

جلبابها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" (1) . وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل، وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد (2) في أول "شرح البخاري"، بما أغنى عن إعادته ها هنا. وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن منكم (3) منافقين، فمن سميت فليقم". ثم قال: "قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال: "إن فيكم -أو: منكم (4) -فاتقوا الله". قال: فمر عمر برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه، فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم (5) . وقوله: {ولنبلونكم} أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي، {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} . وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى. يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: (6) كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} k فخافوا أن يبطل الذنب العمل.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٢) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

في معرفة الحق أن لن يخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين، فيبديه لهم ويظهره، حتى يعرفوا نفاقهم، وحيرتهم في دينهم {ولو نشاء لأريناكهم} [محمد: 30] يقول تعالى ذكره: ولو نشاء PageEndV21P222 يا محمد لعرفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل: سأريك ما أصنع، بمعنى سأعلمك

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٢١) ↗

التحرير والتنوير

30] ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم. كان مرض قلوبهم خفيا لأنهم يبالغون في كتمانه وتمويهه بالتظاهر بالإيمان، فذكر الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم أنه لو شاء لأطلعه عليهم واحدا واحدا فيعرف ذواتهم بعلاماتهم. والسيمى بالقصر: العلامة الملازمة، أصله: وسمى بوزن فعلى من الوسم وهو جعل سمة للشيء، وهو بكسر أوله. فهو من المثال الواوي الفاء حولت الواو من موضع فاء الكلمة فوضعت في مكان عين الكلمة وحولت عين الكلمة إلى موضع الفاء فصارت سومى فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وتقدم عند قوله تعالى: تعرفهم بسيماهم في سورة البقرة [273] . والمعنى: لأريناك أشخاصهم فعرفتهم، أو لذكرنا لك أوصافهم فعرفتهم بها ثم يحتمل أن الله شاء ذلك وأراهم للرسول صلى الله عليه وسلم فعن أنس «ما خفي على النبيء بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم» ذكره البغوي والثعلبي بدون سند. ومما يروى عن حذيفة ما يقتضي أن النبيء صلى الله عليه وسلم عرفه بالمنافقين أو ببعضهم، ولكن إذا صح هذا فإن الله لم يأمر بإجرائهم على غير حالة الإسلام، ويحتمل أن الله قال هذا إكراما لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يطلعه عليهم. واللام في لأريناكهم لام جواب لو التي تزاد فيه غالبا. واللام في فلعرفتهم تأكيد للام لأريناكهم لزيادة تحقيق تفرع المعرفة على الإراءة. ولتعرفنهم في لحن القول. هذا في معنى الاحتراس مما يقتضيه مفهوم لو نشاء لأريناكهم من عدم وقوع المشيئة لإراءته إياهم بنعوتهم. والمعنى: فإن لم نرك إياهم بسيماهم فلتقعن معرفتك بهم من لحن كلامهم بإلهام يجعله الله في علم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يخفى عليه شيء من لحن كلامهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٢١) ↗