سورة محمد · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } من شبهة أو شهوة، بحيث تخرج القلب عن حال صحته واعتداله، أن الله لا يخرج ما في قلوبهم من الأضغان والعداوة للإسلام وأهله؟ هذا ظن لا يليق بحكمة الله، فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب، وذلك بالابتلاء بالمحن، التي من ثبت عليها، ودام إيمانه فيها، فهو المؤمن حقيقة، ومن ردته على عقبيه فلم يصبر عليها، وحين أتاه الامتحان، جزع وضعف إيمانه، وخرج ما في قلبه من الضغن، وتبين نفاقه، هذا مقتضى الحكمة الإلهية، مع أنه تعالى قال: { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } أي: بعلاماتهم التي هي كالوسم في وجوههم. { ولتعرفنهم في لحن القول } أي: لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر { والله يعلم أعمالكم } فيجازيكم عليها. ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده، وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: { ولنبلونكم } أي: نختبر إيمانكم وصبركم، { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم } فمن امتثل أمر الله وجاهد في سبيل الله لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا، ومن تكاسل عن ذلك، كان ذلك نقصا في إيمانه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ٢٩–٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
جلبابها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" (1) . وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل، وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد (2) في أول "شرح البخاري"، بما أغنى عن إعادته ها هنا. وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن منكم (3) منافقين، فمن سميت فليقم". ثم قال: "قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال: "إن فيكم -أو: منكم (4) -فاتقوا الله". قال: فمر عمر برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه، فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بعدا لك سائر اليوم (5) . وقوله: {ولنبلونكم} أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي، {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} . وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى. يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: (6) كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} k فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في معرفة الحق أن لن يخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين، فيبديه لهم ويظهره، حتى يعرفوا نفاقهم، وحيرتهم في دينهم {ولو نشاء لأريناكهم} [محمد: 30] يقول تعالى ذكره: ولو نشاء PageEndV21P222 يا محمد لعرفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل: سأريك ما أصنع، بمعنى سأعلمك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٢١) ↗التحرير والتنوير
والإحباط: إبطال العمل، أي أبطل انتفاعهم بأعمالهم التي عملوها مع المؤمنين من قول كلمة التوحيد ومن الصلاة والزكاة وغير ذلك. وتقدم ما هو بمعناه في أول السورة. [29] 29] أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) انتقال من التهديد والوعيد إلى الإنذار بأن الله مطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يضمره المنافقون من الكفر والمكر والكيد ليعلموا أن أسرارهم غير خافية فيوقنوا أنهم يكدون عقولهم في ترتيب المكائد بلا طائل وذلك خيبة لآمالهم. وأم منقطعة في معنى (بل) للإضراب الانتقالي، والاستفهام المقدر بعد أم للإنكار. وحرف (لن) لتأييد النفي، أي لا يحسبون انتفاء إظهار أضغانهم في المستقبل، كما انتفى ذلك فيما مضى، فلعل الله أن يفضح نفاقهم. واستعير المرض إلى الكفر بجامع الإضرار بصاحبه، ولكون الكفر مقره العقل المعبر عنه بالقلب كان ذكر القلوب مع المرض ترشيحا للاستعارة لأن القلب مما يناسب المرض الخفي إذ هو عضو باطن فناسب المرض الخفي. والإخراج أطلق على الإظهار والإبراز على وجه الاستعارة لأن الإخراج استدلال شيء من مكمنه، فاستعير للإعلام بخبر خفي. والأضغان: جمع ضغن بكسر الضاد المعجمة وسكون الغين المعجمة وهو الحقد والعداوة. والمعنى أنه يخرجها من قلوبهم وكان العرب يجعلون القلوب مقر الأضغان قال الشاعر، وهو من شواهد المفتاح للسكاكي ولا يعرف قائله: الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٢٠) ↗