سورة محمد · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا [النساء: 120]. وذلك أنهم قد تبين لهم الهدى، فزهدوا فيه ورفضوه، و { قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } من المبارزين العداوة لله ولرسوله { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: الذي يوافق أهواءهم، فلذلك عاقبهم الله بالضلال، والإقامة على ما يوصلهم إلى الشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي. { والله يعلم إسرارهم } فلذلك فضحهم، وبينها لعباده المؤمنين، لئلا يغتروا بها. { فكيف } ترى حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة { إذا توفتهم الملائكة } الموكلون بقبض أرواحهم، { يضربون وجوههم وأدبارهم } بالمقامع الشديدة؟! { ذلك } العذاب الذي استحقوه ونالوه { ب } سبب { أنهم اتبعوا مآ أسخط الله } من كل كفر وفسوق وعصيان. { وكرهوا رضونه } فلم يكن لهم رغبة فيما يقربهم إليه، ولا يدنيهم منه، { فأحبط أعملهم } أي: أبطلها وأذهبها، وهذا بخلاف من اتبع ما يرضي الله وكره سخطه، فإنه سيكفر عنه سيئاته، ويضاعف أجره وثوابه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ٢٥–٢٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وخدعهم، {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {والله يعلم إسرارهم} أي: [يعلم] (1) ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به، كقوله: {والله يكتب ما يبيتون} [النساء: 81] . ثم قال: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} الآية [الأنفال: 50] ، وقال: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} أي: بالضرب {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] ؛ ولهذا قال ها هنا: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} يقول تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} أي: اعتقد (1) المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم (2) ذوو البصائر، وقد أنزل تعالى في ذلك سورة "براءة"، فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره. وقوله: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} يقول تعالى: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم (3) عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، ورد السرائر إلى عالمها، {ولتعرفنهم في لحن القول} أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٢٠) ↗التحرير والتنوير
المدينة اشتد تعهد أهل مكة لأصحابهم من أهل يثرب ليتطلعوا أحوال المسلمين، ولعلهم بعد يوم بدر كانوا يكيدون للمسلمين ويتأهبون للثأر منهم الذي أنجزوه يوم أحد. وإما اليهود من قريظة والنضير فقد حكى الله عنهم في قوله: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب [الحشر: 11] . فالمراد ب بعض الأمر على الوجه الأول في محمل قوله: إن الذين ارتدوا على أدبارهم [محمد: 25] إفشاء بعض أحوال المسلمين إليهم وإشعارهم بوفرة عدد المنافقين وإن كانوا لا يقاتلون لكراهتهم القتال. والمراد ب بعض الأمر على الوجه الثاني بعض أمر القتال، يعنون تلك المكيدة التي دبروها للانخزال عن جيش المسلمين. والأمر هو: شأن الشرك وما يلائم أهله، أي نطيعكم في بعض الكفر ولا نطيعكم في جميع الشؤون لأن ذلك يفضح نفاقهم، أو المراد في بعض ما تأمروننا به من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كالخلق على المخلوق. وأيا ما كان فهم قالوا ذلك للمشركين سرا فأطلع الله عليه نبيئه صلى الله عليه وسلم ولذلك قال تعالى: والله يعلم إسرارهم. وقرأ الجمهور إسرارهم بفتح الهمزة جمع سر. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بكسر الهمزة مصدر أسر. [27] 27] فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) الفاء يجوز أن تكون للتفريع على جملة إن الذين ارتدوا على أدبارهم [محمد: 25] الآية وما بينهما متصل بقوله: الشيطان سول لهم [محمد: 25] بناء على المحمل الأول للارتداد فيكون التفريع لبيان ما سيلحقهم من العذاب عند الموت وهو استهلال لما يتواصل من عذابهم عن مبدأ الموت إلى استقرارهم في العذاب الخالد.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١١٧) ↗