سورة الأحقاف · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا ثناء منه تعالى على كتابه العزيز وتعظيم له، وفي ضمن ذلك إرشاد العباد إلى الاهتداء بنوره، والإقبال على تدبر آياته، واستخراج كنوزه. ولما بين إنزال كتابه المتضمن للأمر والنهي، ذكر خلقه السماوات والأرض، فجمع بين الخلق والأمر، ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] كما قال تعالى: الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن [الطلاق: 12] وكما قال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون * خلق السموت والأرض بالحق [النحل: 2-3] فالله تعالى هو الذي خلق المكلفين، وخلق مساكنهم، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ثم أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم ونهاهم، وأخبرهم أن هذه الدار دار أعمال وممر للعمال، لا دار إقامة لا يرحل عنها أهلها، وأنهم سينتقلون منها إلى دار الإقامة والقرار، وموطن الخلود والدوام، وإنما أعمالهم التي عملوها في هذه الدار، سيجدون ثوابها في تلك الدار كاملا موفرا. وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار، وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل، ليكون أدعى لهم إلى طلب المحبوب، والهرب من المرهوب، ولهذا قال هنا: { ما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي: لا عبثا ولا سدى، بل ليعرف العباد عظمة خالقهما، ويستدلوا على كماله، ويعلموا أن الذي خلقهما على عظمهما، قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم للجزاء، وأن خلقهما وبقاءهما مقدر إلى { أجل مسمى }. فلما أخبر بذلك - وهو أصدق القائلين وأقام الدليل، وأنار السبيل أخبر - مع ذلك - أن طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحق، وصدوفا عن دعوة الرسل، فقال: { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون } وأما الذين آمنوا، فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم، وتلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالانقياد والتعظيم، ففازوا بكل خير، واندفع عنهم كل شر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ١–٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شرع بعد الهجرة. وقوله: {إن ربك هو الخلاق العليم} تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق ما يشاء، وهو العليم بما تمزق (1) من الأجساد، وتفرق (2) في سائر أقطار الأرض، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [يس: 81-83] . يقول تعالى لنبيه: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك. {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء: 215] أي: ألن لهم جانبك (3) كما قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] وقد اختلف في السبع المثاني: ما هي؟ فقال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك وغير واحد: هي السبع الطول. يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير. وقال سعيد: بين (4) فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكام. وقال ابن عباس: بين (5) الأمثال والخبر والعبر (6) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: {المثاني} المثنى: (7) البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة (8) سورة واحدة. قال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن ثنتين. رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار (9) عن سعيد بن جبير عنه. [و] (10) قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني الطول، وأوتي موسى، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
… كل شيء قدير (33) عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله: والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي إلى قوله: أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين [الأحقاف: 17، 18] فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرأهم على إحالة البعث، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبيء صلى الله عليه وسلم. وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى: ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الأحقاف: 3] الآية ويتصل بقوله: والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج إلى قوله: أساطير الأولين [الأحقاف: 17] . والواو عاطفة جملة الاستفهام، وهو استفهام إنكاري، والرؤية علمية. وأختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات. ووقعت أن مع اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي يروا. ودخلت الباء الزائدة على خبر أن وهو مثبت وموكد، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي، لأن أن وقعت في خبر المنفي وهو أولم يروا. ووقع بلى جوابا عن الاستفهام الإنكاري. ولا يريبك في هذا ما شاع على ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي، وهو هنا اتصل بفعل منفي ب (لم) فيصير نفي النفي إثباتا، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف (نعم) دون بلى، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند المستفهم به، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام. وكون الشيء بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطى جميع أحكامه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٦٣) ↗