سورة الأحقاف · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا ثناء منه تعالى على كتابه العزيز وتعظيم له، وفي ضمن ذلك إرشاد العباد إلى الاهتداء بنوره، والإقبال على تدبر آياته، واستخراج كنوزه. ولما بين إنزال كتابه المتضمن للأمر والنهي، ذكر خلقه السماوات والأرض، فجمع بين الخلق والأمر، ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] كما قال تعالى: الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن [الطلاق: 12] وكما قال تعالى: ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون * خلق السموت والأرض بالحق [النحل: 2-3] فالله تعالى هو الذي خلق المكلفين، وخلق مساكنهم، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ثم أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم ونهاهم، وأخبرهم أن هذه الدار دار أعمال وممر للعمال، لا دار إقامة لا يرحل عنها أهلها، وأنهم سينتقلون منها إلى دار الإقامة والقرار، وموطن الخلود والدوام، وإنما أعمالهم التي عملوها في هذه الدار، سيجدون ثوابها في تلك الدار كاملا موفرا. وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار، وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل، ليكون أدعى لهم إلى طلب المحبوب، والهرب من المرهوب، ولهذا قال هنا: { ما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي: لا عبثا ولا سدى، بل ليعرف العباد عظمة خالقهما، ويستدلوا على كماله، ويعلموا أن الذي خلقهما على عظمهما، قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم للجزاء، وأن خلقهما وبقاءهما مقدر إلى { أجل مسمى }. فلما أخبر بذلك - وهو أصدق القائلين وأقام الدليل، وأنار السبيل أخبر - مع ذلك - أن طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحق، وصدوفا عن دعوة الرسل، فقال: { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون } وأما الذين آمنوا، فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم، وتلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالانقياد والتعظيم، ففازوا بكل خير، واندفع عنهم كل شر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ١–٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر (1) الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك (2) ، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] . وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل:74] ، تعالى الله عن ذلك. وقوله: {إن الله يحكم بينهم} أي: يوم القيامة، {في ما هم فيه يختلفون} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} (3) [سبأ:41، 40] . وقوله: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده (4) الكذب والافتراء على الله، وقلبه كفار يجحد بآياته [وحججه] (5) وبراهينه. ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون (6) من اليهود والنصارى في العزير، وعيسى فقال: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي: لكان الأمر على خلاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعالى ذكره: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] الذي نزلناه عليك يا محمد {من الله العزيز} [الزمر: 1] في انتقامه من أعدائه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكونن في شك من ذلك؛ ورفع قوله: {تنزيل} [السجدة: 2] بقوله: {من الله} [البقرة: 61] وتأويل الكلام: من الله العزيز الحكيم تنزيل الكتاب وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قيل: {سورة أنزلناها} [النور: 1] غير أن الرفع في قوله: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] بما بعده أحسن من رفع سورة بما بعدها، لأن تنزيل وإن كان فعلا، فإنه إلى المعرفة أقرب، إذ كان مضافا إلى معرفة، فحسن رفعه بما بعده، وليس ذلك بالحسن في «سورة» ، لأنه نكرة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٥٤) ↗التحرير والتنوير
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) فاتحة أنيقة في التنويه بالقرآن جعلت مقدمة لهذه السورة لأن القرآن جامع لما حوته وغيره من أصول الدين. ف تنزيل مصدر مراد به معناه المصدري لا معنى المفعول، كيف وقد أضيف إلى الكتاب وأصل الإضافة أن لا تكون بيانية. وتنزيل: مصدر نزل المضاعف وهو مشعر بأنه أنزله منجما. واختيار هذه الصيغة هنا للرد على الطاعنين لأنهم من جملة ما تعللوا به قولهم: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] . وقد تقدم الفرق بين المضاعف والمهموز في مثله في المقدمة الأولى. والتعريف في الكتاب للعهد، وهو القرآن المعهود بينهم عند كل تذكير وكل مجادلة. وأجرى على اسم الجلالة الوصف ب العزيز الحكيم للإيماء إلى أن ما ينزل منه يأتي على ما يناسب الصفتين، فيكون عزيزا قال تعالى: وإنه لكتاب عزيز [فصلت: 41] ، أي القرآن، عزيز غالب بالحجة لمن كذب به، وغالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إن الغلبة تستلزم التفضل والتفوق، وغالب لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورة منه، ويكون حكيما مثل صفة منزله. والحكيم: إما بمعنى الحاكم، فالقرآن أيضا حاكم عن معارضيه بالحجة، وحاكم على غيره من الكتب السماوية بما فيه من التفصيل والبيان قال تعالى: مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه [المائدة: 48] . وإما بمعنى: المحكم المتقن، فالقرآن مشتمل على البيان الذي لا يحتمل الخطأ، وإما بمعنى الموصوف بالحكمة، فالقرآن مشتمل على الحكمة كاتصاف منزله بها. وهذه معان مرادة من الآية فيما نرى، على أن في هذين الوصفين إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي، إذا اشتمل على علوم لم يكن للناس علم بها كما بيناه في المقدمة العاشرة. وفي وصف الحكيم إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة يؤتي الحكمة من يشاء [البقرة: 269] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣١٤) ↗