سورة الجاثية · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أفرأيت } الرجل الضال الذي { اتخذ إلهه هواه } فما هويه سلكه، سواء كان يرضي الله أو يسخطه. { وأضله الله على علم } من الله تعالى، أنه لا تليق به الهداية، ولا يزكو عليها. { وختم على سمعه } فلا يسمع ما ينفعه، { وقلبه } فلا يعي الخير، { وجعل على بصره غشاوة } تمنعه من نظر الحق، { فمن يهديه من بعد الله } أي: لا أحد يهديه، وقد سد الله عليه أبواب الهداية، وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أفلا تذكرون } ما ينفعكم فتسلكونه، وما يضركم فتجتنبونه. { وقالوا } أي: منكرو البعث { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر } أي: إن هي إلا عادات، وجري على رسوم الليل والنهار، يموت أناس، ويحيا أناس، وما مات فليس براجع إلى الله، ولا مجازى بعمله. وقولهم هذا صادر عن غير علم { إن هم إلا يظنون } فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين، من غير دليل دلهم على ذلك ولا برهان. إن هي إلا ظنون، واستبعادات خالية عن الحقيقة، ولهذا قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن كنتم صادقين } وهذا جراءة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أن صدق رسل الله متوقف على الإتيان بآبائهم، وأنهم لو جاؤوهم بكل آية لم يؤمنوا، إلا إن تبعتهم الرسل على ما قالوا وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسل، لا بيان الحق، قال تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وإلا فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم، لعملوا له أعمالا وتهيؤوا له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ٢٣–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "كما أنه لا يجتنى من الشوك (1) العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار" (2) . هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب (3) عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب (4) . وقد روى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق (5) ، أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} ؛ ولهذا قال تعالى: {ساء ما يحكمون} ، وقال (6) {وخلق الله السموات والأرض بالحق} أي: بالعدل، {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} (7) . ثم قال [تعالى] (8) {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه: وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين. وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: لا يهوى شيئا إلا عبده. وقوله: {وأضله الله على علم} يحتمل قولين: أحدها (9) وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها؛ ولهذا قال: {فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} كقوله: {من يضلل الله فلا هادي له (10) ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] . يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٩٢) ↗التحرير والتنوير
والشريعة: الدين والملة المتبعة، مشتقة من الشرع وهو: جعل طريق للسير، وسمي النهج شرعا تسمية بالمصدر. وسميت شريعة الماء الذي يرده الناس شريعة لذلك، قال الراغب: استعير اسم الشريعة للطريقة الإلهية تشبيها بشريعة الماء قلت: ووجه الشبه ما في الماء من المنافع وهي الري والتطهير. والأمر: الشأن، وهو شأن الدين وهو شأن من شؤون الله تعالى، قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] ، فتكون من تبعيضية وليست كالتي في قوله آنفا وآتيناهم بينات من الأمر [الجاثية: 17] لأن إضافة شريعة إلى الأمر تمنع من ذلك. وقد بلغت هذه الجملة من الإيجاز مبلغا عظيما إذ أفادت أن شريعة الإسلام أفضل من شريعة موسى، وأنها شريعة عظيمة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم متمكن منها لا يزعزعه شيء عن الدأب في بيانها والدعوة إليها. ولذلك فرع عليه أمره باتباعها بقوله: فاتبعها أي دم على اتباعها، فالأمر لطلب الدوام مثل يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله [النساء: 136] . وبين قوله: فاتبعها وقوله: ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون محسن المطابقة بين الأمر بالاتباع والنهي عن اتباع آخر. والذين لا يعلمون هم المشركون وأهواؤهم دين الشرك قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23] . والأهواء: جمع هوى، وهو المحبة والميل. والمعنى: أن دينهم أعمال أحبوها لم يأمر الله بها ولا اقتضتها البراهين. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. والمقصود منه: إسماع المشركين لئلا يطمعوا بمصانعة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم حين يرون منه الإغضاء عن هفواتهم وأذاهم وحين يسمعون في القرآن بالصفح عنهم كما في الآية السالفة قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله [الجاثية: 14] . وفيه أيضا تعريض للمسلمين بأن يحذروا من أهواء الذين لا يعلمون. وعن ابن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٤٨) ↗