البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الجاثية · الآية ٢١

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: أم حسب المسيؤون المكثرون من الذنوب، المقصرون في حقوق ربهم. { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } بأن قاموا بحقوق ربهم، واجتنبوا مساخطه، ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم؟ أي: أحسبوا أن يكونوا { سوآء } في الدنيا والآخرة؟ ساء ما ظنوا وحسبوا، وساء ما حكموا به، فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين، وخير العادلين، ويناقض العقول السليمة، والفطر المستقيمة، ويضاد ما نزلت به الكتب، وأخبرت به الرسل، بل الحكم الواقع القطعي، أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب، في العاجل والآجل، كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة، والعذاب والشقاء، في الدنيا والآخرة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ٢١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "كما أنه لا يجتنى من الشوك (1) العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار" (2) . هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أنهم وجدوا حجرا بمكة في أس الكعبة مكتوب (3) عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب (4) . وقد روى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق (5) ، أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} ؛ ولهذا قال تعالى: {ساء ما يحكمون} ، وقال (6) {وخلق الله السموات والأرض بالحق} أي: بالعدل، {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} (7) . ثم قال [تعالى] (8) {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه: وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين. وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: لا يهوى شيئا إلا عبده. وقوله: {وأضله الله على علم} يحتمل قولين: أحدها (9) وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها؛ ولهذا قال: {فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} كقوله: {من يضلل الله فلا هادي له (10) ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] . يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا}

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

للناس} [القصص: 43] يبصرون به الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل الرشاد، والبصائر: جمع بصيرة وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٨٦) ↗

التحرير والتنوير

وجعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته. وذكر لفظ (قوم) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين. والإيقان: العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه. وحذف متعلقه لأنه معلوم بما جاءت به آيات الله. [21] 21] أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) انتقال من وصف تكذيبهم بالآيات واستهزائهم بها ثم من أمر المؤمنين بالصفح عنهم وإيكال جزاء صنائعهم إلى الله ثم من التثبيت على ملازمة الشريعة الإسلامية إلى وصف صنف آخر من ضلالهم واستهزائهم بالوعد والوعيد وإحالتهم الحياة بعد الموت والجزاء على الأعمال وتخييلهم للناس أنهم يصيرون في الآخرة، على الحال التي كانوا عليها في الدنيا، عظيمهم في الدنيا عظيمهم في الآخرة، وضعيفهم في الدنيا ضعيفهم في الآخرة، وهذا الانتقال رجوع إلى بيان قوله: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون [الجاثية: 15] . فحرف أم للإضراب الانتقالي، والاستفهام الذي يلزم تقديره بعد أم استفهام إنكاري، والتقدير: لا يحسب الذين اجترحوا السيئات أنهم كالذين آمنوا لا في الحياة وفي في الممات. والذين اجترحوا السيئات في نقل عن ابن عباس: أنهم المشركون كما يؤذن به الانتقال من الغرض السابق إلى هذا الغرض وإنما عبر عنهم بهذا العنوان لما في الصلة من تعليل إنكار المشابهة والمساواة بينهم وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في عالم الخلد ولأن اكتساب السيئات من شعار أهل الشرك إذ ليس لهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٥١) ↗