البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الجاثية · الآية ١٧

﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعما لم تحصل لغيرهم من الناس، وآتيناهم { الكتاب } أي: التوراة والإنجيل، { والحكم } بين الناس، { والنبوة } التي امتازوا بها، وصارت النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، { ورزقناهم من الطيبات } من المآكل والمشارب والملابس، وإنزال المن والسلوى عليهم، { وفضلناهم على العالمين } أي: على الخلق بهذه النعم، ويخرج من هذا العموم اللفظي، هذه الأمة، فإنهم خير أمة أخرجت للناس. والسياق يدل على أن المراد غير هذه الأمة، فإن الله يقص علينا ما امتن به على بني إسرائيل، وميزهم عن غيرهم، وأيضا فإن الفضائل التي فاق بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة، وغيرها من النعوت، قد حصلت كلها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة، فهذه الشريعة شريعة بني إسرائيل جزء منها، فإن هذا الكتاب مهيمن على سائر الكتب السابقة، ومحمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع المرسلين. { وآتيناهم } أي: آتينا بني إسرائيل { بينات } أي: دلالات تبين الحق من الباطل { من الأمر } القدري الذي أوصله الله إليهم. وتلك الآيات هي المعجزات التي رأوها على يد موسى عليه السلام، فهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، تقتضي الحال أن يقوموا بها على أكمل الوجوه، وأن يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم، ولكن انعكس الأمر، فعاملوها بعكس ما يجب. وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به، ولهذا قال: { فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم } أي: الموجب لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف البغي من بعضهم على بعض، والظلم. { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } فيميز المحق من المبطل، والذي حمله على الاختلاف، الهوى أو غيره.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ١٦–١٧) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم، وجعله الملك فيهم؛ ولهذا قال: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب، {وفضلناهم على العالمين} أي: في زمانهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} أي: حججا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت (1) عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا، {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل. وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم؛ ولهذا قال: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين، وقال هاهنا: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} أي: وماذا تغني (2) عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا، فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارا ودمارا وهلاكا، {والله ولي المتقين} ، وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. ثم قال: {هذا بصائر للناس} يعني: القرآن {وهدى ورحمة لقوم يوقنون} يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون، كما قال: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] وقال هاهنا: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي: عملوها وكسبوها {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة! {ساء ما يحكمون} أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا بكير (1) بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد الباجي (2) ، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: إن الله بنى دينه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [الجاثية: 17] طلبا للرياسات، وتركا منهم لبيان الله تبارك وتعالى في تنزيله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٨٤) ↗

التحرير والتنوير

على جوازه وإن كان الغالب إنابة المفعول الأول كقوله تعالى: ثم يجزاه الجزاء الأوفى [النجم: 41] . وقوله: ثم إلى ربكم ترجعون أي بعد الأعمال في الدنيا تصيرون إلى حكم الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم الصالحة والسيئة بما يناسب أعمالكم. وأطلق على المصير إلى حكم الله أنه رجوع إلى الله على طريقة التمثيل بحال من كان بعيدا عن سيده أو أميره فعمل ما شاء ثم رجع إلى سيده أو أميره فإنه يلاقي جزاء ما عمله، وقد تقدمت نظائره. [16، 17] 17] ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) الوجه أن يكون سوق خبر بني إسرائيل هنا توطئة وتمهيدا لقوله بعده ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها [الجاثية: 18] أثار ذلك ما تقدم من قوله: يل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه إلى قوله: اتخذها هزوا [الجاثية: 7- 9] ثم قوله: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله [الجاثية: 14] فكان المقصد قوله ثم جعلناك على شريعة من الأمر [الجاثية: 18] ولذلك عطفت الجملة بحرف ثم الدال على التراخي الرتبي، أي على أهمية ما عطف بها. ومقتضى ظاهر النظم أن يقع قوله: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب الآيتين بعد قوله: جعلناك على شريعة من الأمر [الجاثية: 18] فيكون دليلا وحجة له فأخرج النظم على خلاف مقتضى الظاهر فجعلت الحجة تمهيدا قصدا للتشويق لما بعده، وليقع ما بعده معطوفا ب ثم الدالة على أهمية ما بعدها.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٤٣) ↗