سورة الدخان · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا جزاء المتقين لله الذين اتقوا سخطه وعذابه، بتركهم المعاصي، وفعلهم الطاعات، فلما انتفى السخط عنهم والعذاب، ثبت لهم الرضا من الله، والثواب العظيم، في ظل ظليل، من كثرة الأشجار والفواكه، وعيون سارحة، تجري من تحتهم الأنهار، يفجرونها تفجيرا في جنات النعيم. فأضاف الجنات إلى النعيم، لأن كل ما اشتملت عليه كله نعيم وسرور، كامل من كل وجه، ما فيه منغص ولا مكدر بوجه من الوجوه. ولباسهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق، أي: غليظ الحرير ورقيقه، مما تشتهيه أنفسهم، { متقابلين } في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة، والطمأنينة، والمحبة، والعشرة الحسنة، والآداب المستحسنة. { كذلك } النعيم التام والسرور الكامل { وزوجناهم بحور عين } أي: نساء جميلات، من جمالهن وحسنهن أنه يحار الطرف في حسنهن، وينبهر العقل بجمالهن، وينخلب اللب لكمالهن، { عين } أي: ضخام الأعين حسانها. { يدعون فيها } أي: الجنة { بكل فاكهة } مما له اسم في الدنيا، ومما لا يوجد له اسم، ولا نظير في الدنيا، فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها، أحضر لهم في الحال، من غير تعب ولا كلفة، { آمنين } من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرته، وآمنين من كل مكدر، وآمنين من الخروج منها والموت، ولهذا قال: { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } أي: ليس فيها موت بالكلية، ولو كان فيها موت يستثنى، لم يستثن الموتة الأولى، التي هي الموتة في الدنيا، فتم لهم كل محبوب مطلوب، { ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ربك } أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم، من فضل الله عليهم وكرمه، فإنه تعالى هو الذي وفقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة، وأعطاهم أيضا ما لم تبلغه أعمالهم، { ذلك هو الفوز العظيم } وأي فوز أعظم من نيل رضوان الله وجنته، والسلامة من عذابه وسخطه؟ { فإنما يسرناه } أي: القرآن { بلسانك } أي: سهلناه بلسانك الذي هو أفصح الألسنة على الإطلاق وأجلها، فتيسر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، رضي الله عنهما، قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا". رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به (1) . هكذا يقول أبو إسحاق وأهل العراق "أبو مسلم الأغر"، وأهل المدينة يقولون: "أبو عبد الله الأغر" (2) . وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج -هو ابن حجاج (3) -عن عبادة (4) ، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اتقى الله دخل الجنة، ينعم فيها ولا يبأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" (5) . وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، رضي الله عنه، قال: سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم: أينام أهل الجنة؟ فقال: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون" (6) . وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون" (7) . وقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قيل: يا رسول الله، هل ينام أهل الجنة؟ قال: "لا النوم أخو الموت" ثم قال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والأنصاب والأحزان واختلفت القراء في قراءة قوله: {في مقام أمين} [الدخان: 51] فقرأته عامة قراء المدينة (في مقام أمين) بضم الميم، بمعنى: في إقامة أمين من الظعن وقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة {في مقام} [الدخان: 51] بفتح الميم على المعنى الذي وصفنا، وتوجيها إلى أنهم في مكان وموضع أمين والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٦٣) ↗التحرير والتنوير
اقتضاها ترويع الأثيم حين سمعها، فلما كان المحكي هنا القول الذي يسمعه الأثيم صيغ بطريقة التمثيلية تهويلا، بخلاف قوله: يصب من فوق رؤسهم الحميم [الحج: 19] الذي هو إخبار عنهم في زمن هم غير سامعيه فلم يؤت بمثل هذه الاستعارة إذ لا مقتضى لها. وجملة ذق إنك أنت العزيز الكريم مقول قول آخر محذوف تقديره: قولوا له أو يقال له. والذوق مستعار للإحساس وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة. وقوله: إنك أنت العزيز الكريم خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدية. والمقصود عكس مدلوله، أي أنت الذليل المهان، والتأكيد للمعنى التهكمي. وقرأه الجمهور بكسر همزة إنك. وقرأه الكسائي بفتحها على تقدير لام التعليل وضمير المخاطب المنفصل في قوله: أنت تأكيد للضمير المتصل في إنك ولا يؤكد ضمير النصب المتصل إلا بضمير رفع منفصل. وجملة إن هذا ما كنتم به تمترون بقية القول المحذوف، أي ويقال للآثمين جميعا: إن هذا ما كنتم به تمترون في الدنيا. والخبر مستعمل في التنديم والتوبيخ واسم الإشارة مشار به إلى الحالة الحاضرة لديهم، أي هذا العذاب والجزاء هو ما كنتم تكذبون به في الدنيا. والامتراء: الشك، وأطلق الامتراء على جزيتهم بنفي يقينهم بانتفاء البعث لأن يقينهم لما كان خليا عن دلائل العلم كان بمنزلة الشك، أي أن البعث هو بحيث لا ينبغي أن يوقن بنفيه على نحو ما قرر في قوله تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه [البقرة: 2] . [51- 53] 53] إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من وصف عذاب الأثيم إلى وصف نعيم المتقين لمناسبة التضاد على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣١٦) ↗