سورة الزخرف · الآية ٨٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه وحده المألوه المعبود في السماوات والأرض فأهل السماوات كلهم، والمؤمنون من أهل الأرض، يعبدونه، ويعظمونه، ويخضعون لجلاله، ويفتقرون لكماله. تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] ولله يسجد من في السموت والأرض طوعا وكرها [الرعد: 15]. فهو تعالى المألوه المعبود، الذي يألهه الخلائق كلهم، طائعين مختارين، وكارهين. وهذه كقوله تعالى: وهو الله في السموت وفي الأرض [الأنعام: 3] أي: ألوهيته ومحبته فيهما. وأما هو فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، متوحد بجلاله، متمجد بكماله، { وهو الحكيم } الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا شرع شيئا إلا لحكمة، وحكمه القدري والشرعي والجزائي مشتمل على الحكمة. { العليم } بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي، ولا أصغر منها ولا أكبر. { وتبارك الذي له ملك السموت والأرض وما بينهما } تبارك بمعنى تعالى وتعاظم، وكثر خيره، واتسعت صفاته، وعظم ملكه. ولهذا ذكر سعة ملكه للسموات والأرض وما بينهما، وسعة علمه، وأنه بكل شيء عليم، حتى إنه تعالى، انفرد بعلم كثير من الغيوب، التي لم يطلع عليها أحد من الخلق، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولهذا قال: { وعنده علم الساعة } قدم الظرف، ليفيد الحصر، أي: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا هو، ومن تمام ملكه وسعته، أنه مالك الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { وإليه ترجعون } أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمه العدل، ومن تمام ملكه، أنه لا يملك أحد من خلقه من الأمر شيئا، ولا يقدم على الشفاعة عنده أحد إلا بإذنه. { ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أي: كل من دعي من دون الله، من الأنبياء والملائكة وغيرهم، لا يملكون الشفاعة، ولا يشفعون إلا بإذن الله، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولهذا قال: { إلا من شهد بالحق } أي: نطق بلسانه، مقرا بقلبه، عالما بما شهد به، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
على ذلك لأني عبد من عبيده، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض كان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا، كما قال تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} [الزمر: 4] . [و] (1) قال بعض المفسرين في قوله: {فأنا أول العابدين} أي: الآنفين. ومنهم سفيان الثوري، والبخاري حكاه فقال: ويقال: {أول العابدين} الجاحدين، من عبد يعبد. وذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب، عن أبي قسيط (2) ، عن بعجة بن زيد الجهني؛ أن امرأة منهم دخلت على زوجها -وهو رجل منهم أيضا-فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان، رضي الله عنه، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: إن الله يقول في كتابه: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ، وقال {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ، قال: فوالله ما عبد عثمان، رضي الله عنه، أن بعث إليها: ترد -قال يونس: قال ابن وهب: عبد: استنكف. (3) [و] (4) قال الشاعر: متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله %~% ويعبد عليه لا محالة ظالما (5) وهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره: إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر، فليتأمل. اللهم إلا أن يقال: "إن" ليست شرطا، وإنما هي نافية كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {قل إن كان للرحمن ولد} ، يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين. وقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} أي: إن ذلك لم يكن فلا ينبغي. وقال أبو صخر: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} أي: فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحده. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال مجاهد: {فأنا أول العابدين} أي: أول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ويحرمون إصابة الحق في عبادته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٦٦٣) ↗التحرير والتنوير
أي سألتهم سؤال تقرير عمن خلقهم فإنه يقرون بأن الله خلقهم، وهذا معلوم من حال المشركين كقول ضمام بن ثعلبة للنبيء صلى الله عليه وسلم: «أسألك بربك ورب من قبلك الله أرسلك» ، ولأجل ذلك أكد إنهم يقرون لله بأنه الخالق فقال: ليقولن الله، وذلك كاف في سفاهة رأيهم إذ كيف يكون إلها من لم يخلق، قال تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] . والخطاب في قوله: سألتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون لغير معين، أي إن سألهم من يتأتى منه أن يسأل. وفرع على هذا التقرير والإقرار الإنكار والتعجيب من انصرافهم من عبادة الله إلى عبادة آلهة أخرى بقوله: فأنى يؤفكون. و (أنى) اسم استفهام عن المكان فمحله نصب على الظرفية، أي إلى أي مكان يصرفون. ويؤفكون يصرفون: يقال: أفكه عن كذا، يأفكه من باب ضرب، إذا صرفه عنه، وبني للمجهول إذ لم يصرفهم صارف ولكن صرفوا أنفسهم عن عبادة خالقهم، فقوله: فأنى يؤفكون هو كقول العرب: أين يذهب بك، أي أين تذهب بنفسك إذ لا يريدون أن ذاهبا ذهب به يسألونه عنه ولكن المراد: أنه لم يذهب به أحد وإنما ذهب بنفسه. [88] 88] وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) القيل مصدر قال، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول، أي المقول مثل الذبح وأصله: قول، بكسر القاف وسكون الواو. والمعنى: ومقوله. والضمير المضاف إليه: (قيل) ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الاستدلال والحجاج من قوله: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف: 81] ، وبقرينة قوله: يا رب وبقرينة أنه قال: إن هؤلاء قوم لا يؤمنون وبقرينة إجابته بقوله: فاصفح عنهم وقل سلام [الزخرف: 89] ، والأولى أن يكون ضمير الغائب التفاتا عن الخطاب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٧١) ↗