سورة الزخرف · الآية ٦١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } أي: نهي عن عبادته، وجعلت عبادته بمنزلة عبادة الأصنام والأنداد. { إذا قومك } المكذبون لك { منه } أي: من أجل هذا المثل المضروب، { يصدون } أي: يستلجون في خصومتهم لك، ويصيحون، ويزعمون أنهم قد غلبوا في حجتهم، وأفلجوا. { وقالوا ءأ لهتنا خير أم هو } يعني: عيسى، حيث نهي عن عبادة الجميع، وشورك بينهم بالوعيد على من عبدهم، ونزل أيضا قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء: 98]. ووجه حجتهم الظالمة، أنهم قالوا: قد تقرر عندنا وعندك يا محمد، أن عيسى من عباد الله المقربين، الذين لهم العاقبة الحسنة، فلم سويت بينه وبينها في النهي عن عبادة الجميع؟ فلولا أن حجتك باطلة لم تتناقض. ولم قلت: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء: 98]. وهذا لفظ بزعمهم، يعم الأصنام، وعيسى، فهل هذا إلا تناقض؟ وتناقض الحجة دليل على بطلانها، هذا أنهى ما يقررون به هذه الشبهة [الذي] فرحوا بها واستبشروا، وجعلوا يصدون ويتباشرون. وهي - ولله الحمد - من أضعف الشبه وأبطلها، فإن تسوية الله بين النهي عن عبادة المسيح، وبين النهي عن عبادة الأصنام، لأن العبادة حق لله تعالى، لا يستحقها أحد من الخلق، لا الملائكة المقربون، ولا الأنبياء المرسلون، ولا من سواهم من الخلق، فأي شبهة في تسوية النهي عن عبادة عيسى وغيره؟ وليس تفضيل عيسى عليه السلام، وكونه مقربا عند ربه ما يدل على الفرق بينه وبينها في هذا الموضع، وإنما هو كما قال تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } بالنبوة والحكمة والعلم والعمل، { عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } يعرفون به قدرة الله تعالى على إيجاده من دون أب. وأما قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [الأنبياء: 98] فالجواب عنها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوله: إنكم وما تعبدون من دون الله [الأنبياء: 98] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فيما يذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله. وعجب (1) الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى فقال: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون. وإنه لعلم للساعة} أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: {فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم} (2) . وذكر ابن جرير من رواية العوفي، عن ابن عباس قوله: {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} قال: يعني قريشا، لما قيل لهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] إلى آخر الآيات، فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال: "ذاك عبد الله ورسوله". فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا، فقال الله تعالى (3) {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} . وقال (4) الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى -مولى ابن عقيل الأنصاري-قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها. قال: ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا ألا نكون سألناه عنها. فقلت: أنا لها إذا راح غدا. فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس (5) أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
معنى الكلام: وإن عيسى ظهوره علم يعلم به مجيء الساعة، لأن ظهوره من أشراطها ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٦٣١) ↗التحرير والتنوير
الناس، فليس تشريف الله إياهم بسكنى العوالم العليا بموجب بنوتهم لله ولا بمقتض لهم إلهية، كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تمييزه بالتكون من دون أب مقتضيا له إلهية وإنما هو بجعل الله وخلقه. وجعل شرط لو فعلا مستقبلا للدلالة على أن هذه المشيئة لم تزل ممكنة بأن يعوض للملائكة سكنى الأرض. ومعنى (من) في قوله: منكم البدلية والعوض كالتي في قوله تعالى: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة [التوبة: 38] . والمجرور متعلق ب (جعلنا) ، وقدم على مفعول الفعل للاهتمام بمعنى هذه البدلية لتتعمق أفهام السامعين في تدبرها. وجملة في الأرض يخلفون بيان لمضمون شبه الجملة إلى قوله: منكم وحذف مفعول يخلفون لدلالة منكم عليه، وتقديم هذا المجرور للاهتمام بما هو أدل على كون الجملة بيانا لمضمون منكم. وهذا هو الوجه في معنى الآية وعليه درج المحققون. ومحاولة صاحب «الكشاف» حمل منكم على معنى الابتدائية والاتصال لا يلاقي سياق الآيات. [61] 61] وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها. الأظهر أن هذا عطف على جملة وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضا اقتضته المناسبة. لما أشبع مقام إبطال إلهية غير الله بدلائل الوحدانية ثني العنان إلى إثبات أن القرآن حق، عودا على بدء. وهذا كلام موجه من جانب الله تعالى إلى المنكرين يوم البعث، ويجوز أن يكون من كلام النبيء صلى الله عليه وسلم. وضمير المذكر الغائب في قوله: وإنه لعلم للساعة مراد به القرآن وبذلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٤٢) ↗