البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزخرف · الآية ٥٦

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر القصة لما قال تعالى: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [الزخرف: 45] بين تعالى حال موسى ودعوته، التي هي أشهر ما يكون من دعوات الرسل، ولأن الله تعالى أكثر من ذكرها في كتابه، فذكر حاله مع فرعون، فقال: { ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ } التي دلت دلالة قاطعة على صحة ما جاء به، كالعصا، والحية، وإرسال الجراد، والقمل، إلى آخر الآيات. { إلى فرعون وملإيه فقال إني رسول رب العلمين } فدعاهم إلى الإقرار بربهم، ونهاهم عن عبادة ما سواه. { فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون } أي: ردوها وأنكروها، واستهزؤوا بها، ظلما وعلوا، فلم يكن لقصور بالآيات، وعدم وضوح فيها، ولهذا قال: { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } أي: الآية المتأخرة أعظم من السابقة، { وأخذناهم بالعذاب } كالجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. { لعلهم يرجعون } إلى الإسلام، ويذعنون له، ليزول شركهم وشرهم. { وقالوا } عندما نزل عليهم العذاب: { يأيه الساحر } يعنون موسى عليه السلام، وهذا إما من باب التهكم به، وإما أن يكون هذا الخطاب عندهم مدحا، فتضرعوا إليه بأن خاطبوه بما يخاطبون به من يزعمون أنهم علماؤهم، وهم السحرة، فقالوا: { ادع لنا ربك بما عهد عندك } أي: بما خصك الله به، وفضلك به، من الفضائل والمناقب، أن يكشف عنا العذاب { إننا لمهتدون } إن كشف الله عنا ذلك. { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } أي: لم يفوا بما قالوا، بل غدروا، واستمروا على كفرهم. وهذا كقوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون [الأعراف: 133-135]. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ، قال قتادة قد كانت لهم جنان وأنهار ماء، {أفلا تبصرون} ؟ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني: وموسى وأتباعه (1) فقراء ضعفاء. وهذا كقوله تعالى: {فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} [النازعات: 23 -25] . وقوله: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين. وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن "أم" هاهنا بمعنى "بل". ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها: "أما أنا خير من هذا الذي هو مهين". قال ابن جرير: ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا واضحا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار، فإنهم قرؤوا: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} ؟ على الاستفهام. قلت: وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون -عليه اللعنة (2) -أنه خير من موسى، عليه السلام، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: {مهين} كما قال سفيان: حقير. وقال قتادة والسدي: يعني: ضعيف. وقال ابن جرير: يعني: لا ملك له ولا سلطان ولا مال. {ولا يكاد يبين} يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه (3) ، فهو عيي حصر. (4) قال السدي: {ولا يكاد يبين} أي: لا يكاد يفهم. وقال قتادة، والسدي، وابن جرير: يعني عيي اللسان. وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين (5) وضعها في فيه وهو صغير. وهذا الذي قاله فرعون -لعنه الله-كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى، عليه السلام، بعين كافرة شقية، وقد كان موسى (6) ، عليه السلام، من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر (7) أبصار ذوي [الأبصار و] (8) الألباب. وقوله: {مهين} كذب، بل هو المهين الحقير خلقة وخلقا ودينا. وموسى …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٦١٨) ↗

التحرير والتنوير

واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا [الزخرف: 45] الآية هيأت المقام لضرب المثل بحال بعض الرسل الذين جاءوا بشريعة عظمى قبل الإسلام. والمقصود من هذه القصة هو قوله فيها فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين [الزخرف: 55، 56] ، فإن المراد بالآخرين المكذبون صناديد قريش. ومن المقصود منها بالخصوص هنا: قوله وملائه أي عظماء قومه فإن ذلك شبيه بحال أبي جهل وأضرابه، وقوله: فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون لأن حالهم في ذلك مشابه لحال قريش الذي أشار إليه قوله: وكم أرسلنا من نبيء في الأولين وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزؤن [الزخرف: 6، 7] ، وقوله بعد ذلك أم أنا خير من هذا الذي هو مهين [الزخرف: 52] لأنهم أشبهوا بذلك حال أبي جهل ونحوه في قولهم: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] إلا أن كلمة سادة قريش كانت أقرب إلى الأدب من كلمة فرعون لأن هؤلاء كان رسولهم من قومهم فلم يتركوا جانب الحياء بالمرة وفرعون كان رسوله غريبا عنهم. وقوله فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب [الزخرف: 53] لأنه مشابه لما تضمنه قول صناديد قريش على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] فإن عظمة ذينك الرجلين كانت بوفرة المال، ولذلك لم يذكر مثله في غير هذه القصة من قصص بعثة موسى عليه السلام، وقولهم: يا أيها الساحر ادع لنا ربك [الزخرف: 49] وهو مضاه لقوله في قريش هذا سحر وإنا به كافرون [الزخرف: 30] ، وقوله: فأغرقناهم أجمعين [الزخرف: 55] الدال على أن الله أهلكهم كلهم، وذلك إنذار بما حصل من استئصال صناديد قريش يوم بدر. فحصل من العبرة في هذه القصة أمران: أحدهما: أن الكفار والجهلة يتمسكون بمثل هذه الشبهة في رد فضل الفضلاء فيتمسكون بخيوط العنكبوت من الأمور العرضية التي لا أثر لها في قيمة النفوس الزكية. وثانيهما: أن فرعون صاحب العظمة الدنيوية المحضة صار مقهورا مغلوبا انتصر عليه الذي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗