البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الزخرف · الآية ٣٢

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } الذين اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إنني برآء مما تعبدون } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إلا الذي فطرني } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، ف { سيهدين } لما يصلح ديني وآخرتي. { وجعلها } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبري من عبادة ما سواه. { كلمة باقية في عقبه } أي: ذريته { لعلهم } إليها { يرجعون } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه - كإسحاق ويعقوب - لبعض، كما قال تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى آخر الآيات [البقرة: 130]. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة. { حتى جآءهم الحق } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه. { ورسول مبين } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى الله عليه وسلم. { ولما جآءهم الحق } الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم الله به وآباءهم. { وقالوا } مقترحين على الله بعقولهم الفاسدة: { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان، والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك [تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير] (1) } أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم (2) عليه في أمره، حيث قال: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] . قال الله تعالى ردا عليهم: {أهم يقسمون رحمت ربك [نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات] (3) } الآية [الزخرف: 32] أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا] (4) } [الإسراء: 21] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "إسحاق بن أحمد" من تاريخه عن المأمون الخليفة: أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك (5) . وقوله: {تولج (6) الليل في النهار وتولج (7) النهار في الليل} أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة: ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء. وقوله: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي: تخرج الحبة من الزرع والزرع من الحبة، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

فالتعريف في القريتين للعهد، جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين: عظمة المسود، وعظمة قريته، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم، والعظيم: مستعار لصاحب السؤدد في قومه، فكأنه عظيم الذات. روي عن ابن عباس أنهم عنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة المخزومي، وبعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي. وعن مجاهد أنهم عنوا بعظيم مكة عتبة بن ربيعة وبعظيم الطائف كنانة بن عبد ياليل. وعن قتادة عنوا الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. ثم يحتمل أنهم قالوا هذا اللفظ المحكي عنهم في القرآن ولم يسموا شخصين معينين، ويحتمل أنهم سموا شخصين ووصفوهما بهذين الوصفين، فاقتصر القرآن على ذكر الوصفين إيجازا مع التنبيه على ما كانوا يؤهلون به الاختيار للرسالة تحميقا لرأيهم. وكان الرجلان اللذان عنوهما ذوي مال لأن سعة المال كانت من مقومات وصف السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم: ولم يؤت سعة من المال [البقرة: 247] . [32] أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) إنكار عليهم قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] ، فإنهم لما نصبوا أنفسهم منصب من يتخير أصناف الناس للرسالة عن الله، فقد جعلوا لأنفسهم ذلك لا لله، فكان من مقتضى قولهم أن الاصطفاء للرسالة بيدهم، فلذلك قدم ضمير هم المجعول مسندا إليه، على مسند فعلي ليفيد معنى الاختصاص فسلط الإنكار على هذا الحصر إبطالا لقولهم وتخطئة لهم في تحكمهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٠٠) ↗