سورة الزخرف · الآية ٣١
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } الذين اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إنني برآء مما تعبدون } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إلا الذي فطرني } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، ف { سيهدين } لما يصلح ديني وآخرتي. { وجعلها } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبري من عبادة ما سواه. { كلمة باقية في عقبه } أي: ذريته { لعلهم } إليها { يرجعون } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه - كإسحاق ويعقوب - لبعض، كما قال تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه إلى آخر الآيات [البقرة: 130]. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة. { حتى جآءهم الحق } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه. { ورسول مبين } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى الله عليه وسلم. { ولما جآءهم الحق } الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم الله به وآباءهم. { وقالوا } مقترحين على الله بعقولهم الفاسدة: { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها: أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: {إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه} أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، عليه السلام، {لعلهم يرجعون} أي: إليها. وقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم (1) في قوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها. وروي نحوه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة. ثم قال تعالى: {بل متعت هؤلاء} يعني: المشركين، {وآباءهم} أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم (2) ، {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} أي: بين الرسالة والنذارة. {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} أي: كابروه وعاندوه ودفعوا (3) بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا، {وقالوا} [أي] (4) كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} أي: هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة والسدي، وابن زيد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالله من قريش لما جاءهم القرآن من عند الله: هذا سحر، فإن كان حقا فهلا نزل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين مكة أو الطائف واختلف في الرجل الذي وصفوه بأنه عظيم، فقالوا: هلا نزل عليه هذا القرآن، فقال بعضهم: هلا نزل على الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من أهل الطائف؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٨٠) ↗التحرير والتنوير
من فظيع توغلهم في الإعراض عن التوحيد الذي كان عليه أبوهم فكان موقع بل في هذه الآية أبلغ من موقعها في قول لبيد: بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها إذ كان انتقاله اقتضابا وكان هنا تخلصا حسنا. وهؤلاء إشارة إلى غير مذكور في الكلام، وقد استقريت أن مصطلح القرآن أن يريد بمثله مشركي العرب، ولم أر من اهتدى للتنبيه عليه، وقد قدمته عند قوله تعالى: وجئنا بك على هؤلاء شهيدا في سورة النساء [41] وفي مواضع أخرى. والمراد بآبائهم آباؤهم الذين سنوا عبادة الأصنام مثل عمرو بن لحي والذين عبدوها من بعده. وتمتيع آبائهم تمهيد لتمتيع هؤلاء، ولذلك كانت غاية التمتيع مجيء الرسول فإن مجيئه لهؤلاء. والتمتيع هنا التمتيع بالإمهال وعدم الاستئصال كما تدل عليه الغاية في قوله: حتى جاءهم الحق ورسول مبين. والمراد ب الحق القرآن كما يدل عليه قوله: ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر [الزخرف: 30] وقوله: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] وهذه الآية ثناء راجع على القرآن متصل بالثناء عليه الذي افتتحت به السورة. فإنه لما جاء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم انتهى التمتيع وأخذوا بالعذاب تدريجا إلى أن كان عذاب يوم بدر ويوم حنين، وهدى الله للإسلام من بقي يوم فتح مكة وأيام الوفود. وهذا في معنى قوله تعالى: وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم في سورة هود [48] . والحق الذي جاءهم هو: القرآن، والرسول المبين: محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه ب مبين لأنه أوضح الهدى ونصب الأدلة وجاء بأفصح كلام. فالإبانة راجعة إلى معاني دينه وألفاظ كتابه. والحكمة في ذلك أن الله أراد أن يشرف هذا الفريق من عقب إبراهيم بالانتشال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٩٧) ↗