سورة الزخرف · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا لله تعالى ولدا، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه: منها: أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة. ومنها: أن الولد جزء من والده، والله تعالى بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، فمحال أن يكون لله تعالى ولد. ومنها: أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ومن المعلوم أن البنات أدون الصنفين، فكيف يكون لله البنات، ويصطفيهم بالبنين، ويفضلهم بها؟! فإذا يكونون أفضل من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنها: أن الصنف الذي نسبوه لله، وهو البنات، أدون الصنفين، وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا } من كراهته وشدة بغضه، فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟ ومنها: أن الأنثى ناقصة في وصفها، وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: { أومن ينشأ في الحلية } أي: يجمل فيها، لنقص جماله، فيجمل بأمر خارج عنه؟ { وهو في الخصام } أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، { غير مبين } أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف ينسبونهن لله تعالى؟ ومنها: أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا، فتجرؤوا على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى مرتبة المشاركة لله، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله. ومنها: أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته، فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. وقوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة، وهي حجة لم يزل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… العرب: وما الحلي إلا زينة من نقيصة %~% يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفرا %~% كحسنك، لم يحتج إلى أن يزورا وأما نقص معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: "ما هي بنعم الولد: نصرها بالبكاء، وبرها سرقة". وقوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: {أشهدوا خلقهم} أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا، {ستكتب شهادتهم} أي: بذلك، {ويسألون} عن ذلك يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور (2) الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جعلهم لله ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا. الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء. الرابع: احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدرا [والحجة إنما تكون بالشرع] (3) ، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلا كبيرا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، قال [تعالى] (4) ، {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عقوبة على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتناها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٦٨) ↗التحرير والتنوير
وقوله: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [الأعراف: 206] ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «تحاج آدم وموسى عند الله عز وجل» الحديث، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه عند. وقرأ الباقون عباد الرحمن بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على معنى: الذين هم عباد مكرمون، فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: بل عباد مكرمون [الأنبياء: 26] والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب كقوله تعالى: فكذبوا عبدنا [القمر: 9] . وجملة أشهدوا خلقهم معترضة بين جملة وجعلوا الملائكة وجملة وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم [الزخرف: 20] . وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين أشهدوا مبنيا للنائب وكيفية أداء الهمزتين يجري على حكم الهمزتين في قراءة نافع، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ. وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعل معلوم أنه الله تعالى لأن العالم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا من أمر الله بحضوره، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كل ملك موكل بباب من أبواب السماوات لجبريل حين يستفتح» من أنت؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد قال: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا ونعم المجيء جاء وفتح له» . والمعنى: أأشهدهم الله خلق الملائكة وكقوله تعالى: ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض [الكهف: 51] . وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل، فالهمزة لاستفهام الإنكار دخلت على فعل شهد، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى: أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون [الصافات: 150] . وجملة ستكتب شهادتهم بدل اشتمال من جملة أشهدوا خلقهم لأن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٨٣) ↗