سورة الشورى · الآية ٤٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، وأنه { ومن يضلل الله } بسبب ظلمه { فما له من ولي من بعده } يتولى أمره ويهديه. { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } مرأى ومنظرا فظيعا، صعبا شنيعا، يظهرون الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم، و { يقولون هل إلى مرد من سبيل } أي: هل لنا طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن. { وتراهم يعرضون عليها } أي: على النار { خاشعين من الذل } أي: ترى أجسامهم خاشعة للذل الذي في قلوبهم، { ينظرون من طرف خفي } أي: ينظرون إلى النار مسارقة وشزرا، من هيبتها وخوفها. { وقال الذين آمنوا } حيث ظهرت عواقب الخلق، وتبين أهل الصدق من غيرهم: { إن الخاسرين } على الحقيقة { الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } حيث فوتوا أنفسهم جزيل الثواب، وحصلوا على أليم العقاب وفرق بينهم وبين أهليهم، فلم يجتمعوا بهم، آخر ما عليهم. { ألا إن الظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي { في عذاب مقيم } أي: في سوائه ووسطه، منغمرين لا يخرجون منه أبدا، ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. { وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله } كما كانوا في الدنيا يمنون بذلك أنفسهم، ففي القيامة يتبين لهم ولغيرهم أن أسبابهم التي أملوها تقطعت، وأنه حين جاءهم عذاب الله لم يدفع عنهم. { ومن يضلل الله فما له من سبيل } تحصل به هدايته، فهؤلاء ضلوا حيث زعموا في شركائهم النفع ودفع الضر، فتبين حينئذ ضلالهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ٤٤–٤٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الرجعة إلى الدنيا، {يقولون هل إلى مرد من سبيل} ، كما قال [تعالى] (1) {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام:27، 28] . وقوله: {وتراهم يعرضون عليها} أي: على النار {خاشعين من الذل} أي: الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله، {ينظرون من طرف خفي} قال مجاهد: يعني ذليل، أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك. {وقال الذين آمنوا} أي: يقولون يوم القيامة: {إن الخاسرين} أي: الخسار (2) الأكبر {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي: ذهب بهم إلى (3) النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أصحابهم وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم، (4) فخسروهم، {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} أي: دائم سرمدي أبدي، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله: {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله} أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال، {ومن يضلل الله فما له من سبيل} أي: ليس له خلاص. لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي: إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع. وقوله: {ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير} أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه، فتغيبون عن بصره، تبارك وتعالى، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه، {يقول الإنسان يومئذ أين المفر. كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر} [القيامة:10-12] . وقوله: {فإن أعرضوا} يعني: المشركين {فما أرسلناك عليهم حفيظا} أي: لست عليهم بمصيطر. وقال تعالى: {ليس …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
خاضعين متذللين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٣١) ↗التحرير والتنوير
22] ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) جملة ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا بيان لجملة وإن الظالمين لهم عذاب أليم [الشورى: 21] ، بين حال هذا العذاب ببيان حال أصحابه حين توقع حلوله، وكفى بذلك منبئا عن هوله. والخطاب ب ترى لغير معين فيعم كل من تمكن منه الرؤية يومئذ كقوله: وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل [الشورى: 44، 45] . والمقصود استحضار صورة حال الظالمين يوم القيامة في ذهن المخاطب. والإشفاق: توقع الشيء المضر وهو ضد التمني. و (ما كسبوا) هو أعمالهم السيئة. والمراد: جزاؤها بقرينة المقام. وجملة وهو واقع بهم في موضع الحال، أي مشفقين إشفاقا يقارب اليأس وهو أشد الإشفاق حين يعلمون أن المشفق منه لا ينجي منه حذر، لأن الإشفاق إذا حصل قبل اقتراب المشفق منه قد يحاول المشفق وسائل التخلص منه، فأما إذا وقع العذاب فقد حال دون التخلص حائله. والمعنى: مشفقين من عقاب أعمالهم في حال نزول العقاب بهم. وليس المعنى: أنهم مشفقون في الدنيا من أعمالهم السيئة لأنهم لا يدينون بذلك، فما بني على ذلك الاحتمال من التفسير ليس بينا. والباء في قوله واقع بهم للاستعلاء، كقول غاوي السلمي: أرب يبول الثعلبان برأسه وهذا الاستعمال قريب من معنى الإلصاق المجازي. وضمير وهو واقع عائد على مما كسبوا باعتبار تقدير مضاف، أي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٧٨) ↗