البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشورى · الآية ٤٠

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله. ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: { إنه لا يحب الظالمين } الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم. { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه { فأولئك ما عليهم من سبيل } أي: لا حرج عليهم في ذلك. ودل قوله: { والذين إذآ أصابهم البغي } وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه } أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه. وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه. { إنما السبيل } أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية { على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. { أولئك لهم عذاب أليم } أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم. { ولمن صبر } على ما يناله من أذى الخلق { وغفر } لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وكقوله (1) {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل:129] فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله [تعالى] (2) {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة:45] ؛ ولهذا قال هاهنا: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} أي: لا يضيع ذلك عند الله كما صح في الحديث: "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" وقوله: {إنه لا يحب الظالمين} أي: المعتدين، وهو المبتدئ بالسيئة. [وقال بعضهم: لما كانت الأقسام ثلاثة: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فذكر المقتصد وهو الذي يفيض بقدر حقه لقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ، ثم ذكر السابق بقوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} ثم ذكر الظالم بقوله: {إنه لا يحب الظالمين} فأمر بالعدل،وندب إلى الفضل، ونهى من الظلم] (3) . ثم قال: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم. قال ابن جرير (4) حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع (5) حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا (6) ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} فحدثني علي بن زيد (7) بن جدعان عن أم محمد -امرأة أبيه-قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة (8) -قالت: قالت أم المؤمنين: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئا فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى (9) فطنته لها، فأمسك. وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي. فقال لعائشة: "سبيها" فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب فأتت عليا فقالت: إن عائشة تقع بكم، وتفعل بكم. فجاءت فاطمة فقال (10) لها "إنها حبة أبيك ورب الكعبة" فانصرفت، وقالت لعلي: إني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا. قال: وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك (11) . هكذا ورد هذا السياق، وعلي بن زيد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

المنتصر منه بعد بغيه عليه، فقال بعضهم: هو المشرك إذا بغى على المسلم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٢٣) ↗

التحرير والتنوير

مؤمنون، فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم، وذلك الردع عون على انتشار الإسلام، إذ يقطع ما شأنه أن يخالج نفوس الراغبين في الإسلام من هواجس خوفهم من أن يبغى عليهم. وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وبين قوله آنفا وإذا ما غضبوا هم يغفرون [الشورى: 37] تعارض لاختلاف المقامين كما علمت آنفا. وعن إبراهيم النخعي: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا. وأدخل ضمير الفصل بقوله: هم ينتصرون الذي فصل بين الموصول وبين خبره لإفادة تقوي الخبر، أي لا ينبغي أن يترددوا في الانتصار لأنفسهم. وأوثر الخبر الفعلي هنا دون أن يقال: منتصرون، لإفادة معنى تجدد الانتصار كلما أصابهم البغي. وأما مجيء الفعل مضارعا فلأن المضارع هو الذي يجيء معه ضمير الفصل. [40] 40] وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) هذه جمل ثلاث معترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة والذين إذا أصابهم البغي [الشورى: 39] إلخ وجملة ولمن انتصر بعد ظلمه [الشورى: 41] . وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم والاعتداء، وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد إجرائه بين الأمة بقرينة تفريع فمن عفا وأصلح على جملة وجزاء سيئة سيئة مثلها إذ سمي ترك الانتصار عفوا وإصلاحا ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك. وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل الشرك أجر.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١١٤) ↗