سورة الشورى · الآية ٣١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو الله عنه أكثر، فإن الله لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة [فاطر: 45]. وليس إهمالا منه تعالى تأخير العقوبات ولا عجزا. { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض } أي: معجزين قدرة الله عليكم، بل أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه الله فيكم. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولاكم، فيحصل لكم المنافع { ولا نصير } يدفع عنكم المضار.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ٣٠–٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم" (1) . ولهذا قال تعالى: {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} أي: ترجعون يوم القيامة. وقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه. {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. والذين كفروا بآيات الله ولقائه} أي: جحدوها (2) وكفروا بالمعاد، {أولئك يئسوا من رحمتي} أي: لا نصيب لهم فيها، {وأولئك لهم عذاب أليم} أي: موجع في الدنيا والآخرة. يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم الحق بالباطل: إنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان، {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} ، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم، {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم. فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: 97، 98] ، وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء: ولم توقد (1) نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوا به فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما. ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما. فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان. وقوله: {فأنجاه الله من النار} أي: سلمه [الله] (2) منها، بأن جعلها عليه بردا وسلاما، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا} يقول لقومه مقرعا لهم وموبخا على سوء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فإنما يصيبكم PageEndV20P513 ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥١٢) ↗التحرير والتنوير
على ما كانت أصابته من مقتضيات الأحوال التي عرضت لها في مرآنا قبل أن توضع في هذه الأجساد التي نراها، وقد عموا عما يرد على هذا الزعم من سؤال عن سبب إيداع الأرواح الشريرة في الأجساد الميسرة للصالحات والعكس فبئس ما يفترون. فقوله: ويعفوا عن كثير عطف على جملة وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، وضمير يعفوا عائد إلى ما عاد إليه ضمير ومن آياته خلق السماوات [الشورى: 29] . وهذا يشير إلى ما يتراءى لنا من تخلف إصابة المصيبة عن بعض الذين كسبت أيديهم جرائم، ومن ضد ذلك مما تصيب المصائب بعض الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهو إجمال يبينه على الجملة أن ما يعلمه الله من أحوال عباده وما تغلب من حسناتهم على سيئاتهم، وما تقتضيه حكمة الله من إمهال بعض عباده أو من ابتلاء بعض المقربين، وتلك مراتب كثيرة وأحوال مختلفة تتعارض وتتساقط والموفق يبحث عن الأسباب فإن أعجزته فوض العلم إلى الله. والمعنى: أنه تعالى يعفو، أي يصفح فلا يصيب كثيرا من عباده الذين استحقوا جزاء السوء بعقوبات دنيوية لأنه يعلم أن ذلك أليق بهم. فالمراد هنا: العفو عن المؤاخذة في الدنيا ولا علاقة لها بجزاء الآخرة فإن فيه أدلة أخرى من الكتاب والسنة. وكثير صفة لمحذوف، أي عن خلق أو ناس. [31] وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) عطف على جملة ويعفوا عن كثير [الشورى: 30] ، وهو احتراس، أي يعفو عن قدرة فإنكم لا تعجزونه ولا تغلبونه ولكن يعفو تفضلا. والمعجز: الغالب غيره بانفلاته من قبضته. والمعنى: ما أنتم بفالتين من قدرة الله. والخطاب للمشركين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٠٣) ↗