سورة الشورى · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان. ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: { وما يدريك لعل الساعة قريب } أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم. { والذين آمنوا مشفقون منها } أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: { ويعلمون أنها الحق } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه { ألا إن الذين يمارون في الساعة } أي: بعد ما امتروا فيها، ماروا الرسل وأتباعهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا. وقوله: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} أي: يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [سبأ:29] ، وإنما يقولون (1) ذلك تكذيبا واستبعادا، وكفرا وعنادا، {والذين آمنوا مشفقون منها} أي: خائفون وجلون من وقوعها {ويعلمون أنها الحق} أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها. وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر، في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه؛ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري، وهو في بعض أسفاره فناداه فقال: يا محمد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته "هاؤم". فقال: متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها؟ " فقال: حب الله ورسوله. فقال: "أنت مع من أحببت (2) . فقوله في الحديث: "المرء مع من أحب"، هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها. وقوله: {ألا إن الذين يمارون في الساعة} أي: يحاجون في وجودها ويدفعون وقوعها، {لفي ضلال بعيد} أي: في جهل بين؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم:27] . يقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحدا منهم، سواء في رزقه البر والفاجر، كقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود:6] ولها (3) نظائر كثيرة. وقوله: {يرزق من يشاء} أي: يوسع على من يشاء، {وهو القوي العزيز} أي: لا يعجزه شيء.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 2] يعني القرآن {بالحق والميزان} [الشورى: 17] يقول: وأنزل الميزان وهو العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه PageEndV20P490 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٨٩) ↗التحرير والتنوير
وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخا لهذه الآية. [16] 16] والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) عطف على جملة وقل آمنت بما أنزل الله [الشورى: 15] إلخ، وهو يقتضي انتقال الكلام، فلما استوفى حظ أهل الكتاب في شأن المحاجة معهم، رجع إلى المشركين في هذا الشأن بقوله: والذين يحاجون في الله. وتغيير الأسلوب بالإتيان بالاسم الظاهر الموصول وكون صلته مادة الاحتجاج مؤذن بتغيير الغرض في المتحدث عنهم مع مناسبة ما ألحق به من قوله: يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها [الشورى: 18] وقوله: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى: 21] ، فالمقصود ب الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له: المشركون لأنهم يحاجون في شأن الله وهو الوحدانية دون اليهود من أهل الكتاب فإنهم لا يحاجون في تفرد الله بالإلهية. وعن مجاهد أنه قال: الذين يحاجون في الله رجال طمعوا أن تعود الجاهلية بعد ما دخل الناس في الإسلام. ووقع في كلام ابن عباس عند الطبري: أنهم اليهود والنصارى. فمعنى محاجتهم في الله محاجتهم في دين الله، أي إدخالهم على الناس الشك في صحة دين الإسلام أو في كونه أفضل من اليهودية والنصرانية. ومحاجتهم هي ما يلبسوه به على المسلمين لإدخال الشك عليهم في اتباع الإسلام كقول المشركين مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا [الفرقان: 7] وقولهم في الأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: 18] وقولهم في إنكار البعث أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد [ق: 3] وقولهم: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا [القصص: 57] ،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٦٥) ↗