سورة الشورى · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان. ثم قال تعالى مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: { وما يدريك لعل الساعة قريب } أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها. { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم. { والذين آمنوا مشفقون منها } أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: { ويعلمون أنها الحق } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه { ألا إن الذين يمارون في الساعة } أي: بعد ما امتروا فيها، ماروا الرسل وأتباعهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا. وقوله: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} أي: يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [سبأ:29] ، وإنما يقولون (1) ذلك تكذيبا واستبعادا، وكفرا وعنادا، {والذين آمنوا مشفقون منها} أي: خائفون وجلون من وقوعها {ويعلمون أنها الحق} أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها. وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر، في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه؛ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري، وهو في بعض أسفاره فناداه فقال: يا محمد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته "هاؤم". فقال: متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها؟ " فقال: حب الله ورسوله. فقال: "أنت مع من أحببت (2) . فقوله في الحديث: "المرء مع من أحب"، هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها. وقوله: {ألا إن الذين يمارون في الساعة} أي: يحاجون في وجودها ويدفعون وقوعها، {لفي ضلال بعيد} أي: في جهل بين؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم:27] . يقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحدا منهم، سواء في رزقه البر والفاجر، كقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود:6] ولها (3) نظائر كثيرة. وقوله: {يرزق من يشاء} أي: يوسع على من يشاء، {وهو القوي العزيز} أي: لا يعجزه شيء.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٩٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 2] يعني القرآن {بالحق والميزان} [الشورى: 17] يقول: وأنزل الميزان وهو العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه PageEndV20P490 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٨٩) ↗التحرير والتنوير
17] الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) قد علمتم أن من جملة محاجة المشركين في الله ومن أشدها تشغيبا في زعمهم محاجتهم بإنكار البعث كما في قولهم: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة [سبأ: 7، 8] ، وقال شداد بن الأسود: يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام وقد دحض الله حجتهم في مواضع من كتابه بنفي استحالته، وبدليل إمكانه، وأومأ هنا إلى مقتضي إيجابه، فبين أن البعث والجزاء حق وعدل فكيف لا يقدره مدبر الكون ومنزل الكتاب والميزان. وقد أشارت إلى هذا المعنى آيات كثيرة منها قوله تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115] وقوله: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [طه: 15] وقال: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين [الدخان: 38- 40] . وأكثرها جاء نظمها على نحو الترتيب الذي في نظم هذه الآية من الابتداء بما يذكر بحكمة الإيجاد وأن تمام الحكمة بالجزاء على الأعمال. فقوله: الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان تمهيد لقوله: وما يدريك لعل الساعة قريب، لأن قوله: وما يدريك لعل الساعة قريب يؤذن بمقدر يقتضيه المعنى، تقديره: فجعل الجزاء للسائرين على الحق والناكبين عنه في يوم الساعة فلا محيص للعباد عن لقاء الجزاء وما يدريك لعل الساعة قريب، فهو ناظر إلى قوله إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [طه: 15] . وهذه الجملة موقعها من جملة والذين يحاجون في الله [الشورى: 16] موقع الدليل، والدليل من ضروب البيان، ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها لشدة اتصال معناها بمعنى الأخرى. والإخبار عن اسم الجلالة باسم الموصول الذي مضمون صلته إنزاله الكتاب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٦٧) ↗