سورة الشورى · الآية ١٥
﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهم أنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم. { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي: بتأخير العذاب القاضي { إلى أجل مسمى لقضي بينهم } ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم { لفي شك منه مريب } أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم. { فلذلك فادع } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه من لم يقبله، { واستقم } بنفسك { كمآ أمرت } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك. ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له. { ولا تتبع أهوآءهم } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: " ولا تتبع دينهم " لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا. { وقل } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الأنبياء لا نفرق (1) بين أحد منهم. وقوله: {وأمرت لأعدل بينكم} أي: في الحكم كما أمرني الله. وقوله: {الله ربنا وربكم} أي: هو المعبود، لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا، فله يسجد من في العالمين طوعا واختيارا. وقوله: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي: نحن برآء منكم، كما قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس:41] . وقوله: {لا حجة بيننا وبينكم} قال مجاهد: أي لا خصومة. قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف. وهذا متجه لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة. وقوله: {الله يجمع بيننا} أي: يوم القيامة، كقوله: {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ:26] . وقوله: {وإليه المصير} أي: المرجع والمآب يوم الحساب. يقول تعالى -متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به-: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، {حجتهم داحضة عند ربهم} أي: باطلة عند الله، {وعليهم غضب} أي: منه، {ولهم عذاب شديد} أي: يوم القيامة. قال ابن عباس، ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى، وطمعوا أن تعود الجاهلية. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، وأولى بالله منكم. وقد كذبوا في ذلك. ثم قال: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق} يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه {والميزان} ، وهو: العدل والإنصاف، قاله مجاهد، وقتادة. وهذه كقوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25] وقوله: {والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} [الرحمن:7-9] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٩٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٨٤) ↗التحرير والتنوير
15] فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) الفاء للتفريع على قوله: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [الشورى: 13] إلى آخره، المفسر بقوله: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله: كبر على المشركين إلى من ينيب [الشورى: 13] . واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكون الإشارة بذلك إلى المذكور، أي جميع ما تقدم من الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك، أي فلأجل جميع ما ذكر فادع واستقم، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادع. ولم يذكر مفعول (ادع) لدلالة ما تقدم عليه، أي ادع المشركين والذين أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا. وتقديم (لذلك) على متعلقه وهو فعل (ادع) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر بالدوام على الدعوة. ويجوز أن تكون اللام في قوله: فلذلك لام التقوية وتكون مع مجرورها مفعول (ادع) . والإشارة إلى الدين من قوله: شرع لكم من الدين [الشورى: 13] أي فادع لذلك الدين. وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام بالدين. وفعل الأمر في قوله: فادع مستعمل في الدوام على الدعوة كقوله: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله [النساء: 136] ، بقرينة قوله: كما أمرت، وفي هذا إبطال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٦٠) ↗