البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشورى · الآية ١٤

﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهم أنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم. { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي: بتأخير العذاب القاضي { إلى أجل مسمى لقضي بينهم } ولكن حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ينتسب إلى العلم منهم { لفي شك منه مريب } أي: لفي اشتباه كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم. { فلذلك فادع } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه من لم يقبله، { واستقم } بنفسك { كمآ أمرت } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك. ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له. { ولا تتبع أهوآءهم } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: " ولا تتبع دينهم " لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا. { وقل } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم، كقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة:48] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} أي: وصى الله [سبحانه و] (2) تعالى جميع الأنبياء، عليهم السلام، بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. وقوله: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. ثم قال: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} أي: هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد؛ ولهذا قال: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة. ثم قال [الله] (3) تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} أي: لولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعا. وقوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق {لفي شك منه مريب} أي: ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب، وشقاق بعيد. اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، [لها] (4) حكم برأسه-قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضا عشرة (5) فصول كهذه. قوله (6) {فلذلك فادع} أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم، فادع الناس إليه. وقوله: {واستقم كما أمرت} أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله، كما أمركم الله عز وجل. وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} يعني: المشركين فيما اختلقوه، وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله: {وقل آمنت …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

جاءهم العلم، بأن الذي أمرهم الله به، وبعث به نوحا، هو إقامة الدين الحق، وأن لا تتفرقوا فيه حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} [الشورى: 14] فقال: «إياكم والفرقة فإنها هلكة»

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٨٣) ↗

التحرير والتنوير

أصوله وقواعده ومقاصده، فإن الاختلاف في الأصول يفضي إلى تعطيل بعضها فينخرم بعض أساس الدين. والمراد: ولا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض، إذ بدون الاتفاق على إقامة الدين يضطرب أمره. ووجه ذلك أن تأثير النفوس إذا اتفقت يتوارد على قصد واحد فيقوى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ يصير كل فرد من الأمة معينا للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم. أما إذا حصل التفرق والاختلاف فذلك مفض إلى ضياع أمور الدين في خلال ذلك الاختلاف، ثم هو لا يلبث أن يلقي بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، ولذلك قال الله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [الأنفال: 46] . وأما الاختلاف في فروعه بحسب استنباط أهل العلم بالدين فذلك من التفقه الوارد فيه قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. اعتراض بين جملة شرع لكم من الدين وجملة وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم [الشورى: 14] . ولك أن تجعله استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال من يتعجب من إعراض المشركين عن الإسلام مع أنه دين مؤيد بما سبق من الشرائع الإلهية، فأجيب إجمالا بأنه كبر على المشركين وتجهموه وكبر بمعنى صعب، وقريب منه إطلاق ثقل، أي عجزوا عن قبول ما تدعوهم إليه، فالكبر مجاز استعير للشيء الذي لا تطمئن النفس لقبوله، والكبر في الأصل الدال على ضخامة الذات لأن شأن الشيء الضخم أن يعسر حمله ولما فيه من تضمين معنى ثقل عدي ب على. وعبر عن دعوة الإسلام ب ما الموصولة اعتبارا بنكران المشركين لهذه الدعوة واستغرابهم إياها، وعدهم إياها من المحال الغريب، وقد كبر عليهم ذلك من ثلاث جهات:

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٥٤) ↗