سورة فصلت · الآية ٧
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عباده أن هذا الكتاب الجليل والقرآن الجميل { تنزيل } صادر { من الرحمن الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به من العلم والهدى والنور والشفاء والرحمة والخير الكثير، ما هو من أجل نعمه على العباد، وهو الطريق للسعادة في الدارين. ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: { فصلت آياته } أي: فصل كل شيء من أنواعه على حدته، وهذا يستلزم البيان التام، والتفريق بين كل شيء، وتمييز الحقائق. { قرآنا عربيا } أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيا. { لقوم يعلمون } أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والغي من الرشاد. وأما الجاهلون الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالا، ولا البيان إلا عمى فهؤلاء لم يسق الكلام لأجلهم، وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [يس: 10]. { بشيرا ونذيرا } أي: بشيرا بالثواب العاجل والآجل، ونذيرا بالعقاب العاجل والآجل، وذكر تفصيلهما، وذكر الأسباب والأوصاف التي تحصل بها البشارة والنذارة، وهذه الأوصاف للكتاب، مما يوجب أن يتلقى بالقبول، والإذعان والإيمان والعمل به، ولكن أعرض أكثر الخلق عنه إعراض المستكبرين، { فهم لا يسمعون } له سماع قبول وإجابة، وإن كانوا قد سمعوه سماعا تقوم عليهم به الحجة الشرعية. { وقالوا } أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينين عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب الموصلة إليه: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية مغشاة { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } أي: صمم فلا نسمع لك { ومن بيننا وبينك حجاب } فلا نراك. القصد من ذلك، أنهم أظهروا الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه والرضا بما هم عليه، ولهذا قالوا: { فاعمل إننا عاملون } أي: كما رضيت بالعمل بدينك، فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {قل} يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} لا كما تعبدونه (1) من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، {فاستقيموا إليه} أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل، {واستغفروه} أي: لسالف الذنوب، {وويل للمشركين} أي: دمار لهم وهلاك عليهم، {الذين لا يؤتون الزكاة} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وكذا قال عكرمة. وهذا كقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 9، 10] ، وكقوله: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14، 15] ، وقوله {فقل هل لك إلى أن تزكى} [النازعات: 18] والمراد بالزكاة هاهنا: طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام، وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات. وقال السدي: {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة} أي: لا يدينون بالزكاة. وقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة. وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم. وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة الصدقة كان مأمورا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله [صلى الله عليه وسلم] (2) الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بشر من بني آدم مثلكم في الجنس والصورة والهيئة لست بملك {يوحى إلي} [الأنعام: 50] يوحي الله إلي أن لا معبود لكم تصلح عبادته إلا معبود واحد {فاستقيموا إليه} [فصلت: 6] يقول: فاستقيموا إليه بالطاعة، ووجهوا إليه وجوهكم بالرغبة والعبادة دون الآلهة والأوثان {واستغفروه} [فصلت: 6] يقول: وسلوه العفو لكم عن ذنوبكم التي سلفت منكم بالتوبة من شرككم، يتب عليكم ويغفر لكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٧٨) ↗التحرير والتنوير
وهو من بيننا وبينك حجاب أي فلا يصل كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن. وقولهم: فاعمل إننا عاملون تفريع على تأييسهم الرسول من قبولهم دعوته وجعل قولهم هذا مقابل وصف القرآن بأنه بشير ونذير لظهور أنه تعين كونه نذيرا لهم بعذاب عظيم لأنهم أعرضوا فحكي ما فيه تصريحهم بأنهم لا يعبأون بنذارته فإن كان له أذى فليؤذهم به وهذا كقول فرعون: «ذروني أقتل موسى وليدع ربه» . وحذف مفعولا (اعمل) وعاملون ليعم كل ما يمكن عمله كل مع الآخر ما يناسبه. والأمر في قوله: فاعمل مستعمل في التسوية كقوله عنترة بن الأخرس المعني: أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شئت فانظر من تضير وكقوله تعالى: اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير [فصلت: 40] . والخبر في قولهم: إننا عاملون مستعمل في التهديد. [6، 7] قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه. استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب قولهم: فاعمل إننا عاملون [فصلت: 5] المفرع على قولهم: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [فصلت: 5] إلى آخره جواب المتبرئ من أن يكون له حول وقوة ليعمل في إلجائهم إلى الإيمان لما أبوه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية لا حول له على تقليب القلوب الضالة، إلى الهدى، وما عليه إلا أن يبلغهم ما أوحى الله إليه. وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٣٦) ↗