سورة فصلت · الآية ٦
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عباده أن هذا الكتاب الجليل والقرآن الجميل { تنزيل } صادر { من الرحمن الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي من أعظم رحمته وأجلها إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به من العلم والهدى والنور والشفاء والرحمة والخير الكثير، ما هو من أجل نعمه على العباد، وهو الطريق للسعادة في الدارين. ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان فقال: { فصلت آياته } أي: فصل كل شيء من أنواعه على حدته، وهذا يستلزم البيان التام، والتفريق بين كل شيء، وتمييز الحقائق. { قرآنا عربيا } أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيا. { لقوم يعلمون } أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والغي من الرشاد. وأما الجاهلون الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالا، ولا البيان إلا عمى فهؤلاء لم يسق الكلام لأجلهم، وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [يس: 10]. { بشيرا ونذيرا } أي: بشيرا بالثواب العاجل والآجل، ونذيرا بالعقاب العاجل والآجل، وذكر تفصيلهما، وذكر الأسباب والأوصاف التي تحصل بها البشارة والنذارة، وهذه الأوصاف للكتاب، مما يوجب أن يتلقى بالقبول، والإذعان والإيمان والعمل به، ولكن أعرض أكثر الخلق عنه إعراض المستكبرين، { فهم لا يسمعون } له سماع قبول وإجابة، وإن كانوا قد سمعوه سماعا تقوم عليهم به الحجة الشرعية. { وقالوا } أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينين عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب الموصلة إليه: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية مغشاة { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } أي: صمم فلا نسمع لك { ومن بيننا وبينك حجاب } فلا نراك. القصد من ذلك، أنهم أظهروا الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه والرضا بما هم عليه، ولهذا قالوا: { فاعمل إننا عاملون } أي: كما رضيت بالعمل بدينك، فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبيت عنده، تكون (1) له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون (2) وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى] (3) . قال: فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ " قال: قلنا: بلى. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل". (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان (5) أن تريا الرجل من ثبج المسلمين -يعني من وسط-قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم (6) حرامه، ونزل عند منازله، لا يحور فيكم إلا كما يحور (7) رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس، رضي الله عنه، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من الشهوة الخفية والشرك". فقال عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء: اللهم غفرا. أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. وأما الشهوة الخفية (8) فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله يوحي إلي أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك {فمن كان يرجو لقاء ربه} [الكهف: 110] يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته {فليعمل عملا صالحا} [الكهف: 110] يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٤٣٩) ↗التحرير والتنوير
وهو من بيننا وبينك حجاب أي فلا يصل كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن. وقولهم: فاعمل إننا عاملون تفريع على تأييسهم الرسول من قبولهم دعوته وجعل قولهم هذا مقابل وصف القرآن بأنه بشير ونذير لظهور أنه تعين كونه نذيرا لهم بعذاب عظيم لأنهم أعرضوا فحكي ما فيه تصريحهم بأنهم لا يعبأون بنذارته فإن كان له أذى فليؤذهم به وهذا كقول فرعون: «ذروني أقتل موسى وليدع ربه» . وحذف مفعولا (اعمل) وعاملون ليعم كل ما يمكن عمله كل مع الآخر ما يناسبه. والأمر في قوله: فاعمل مستعمل في التسوية كقوله عنترة بن الأخرس المعني: أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شئت فانظر من تضير وكقوله تعالى: اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير [فصلت: 40] . والخبر في قولهم: إننا عاملون مستعمل في التهديد. [6، 7] قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه. استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب قولهم: فاعمل إننا عاملون [فصلت: 5] المفرع على قولهم: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [فصلت: 5] إلى آخره جواب المتبرئ من أن يكون له حول وقوة ليعمل في إلجائهم إلى الإيمان لما أبوه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية لا حول له على تقليب القلوب الضالة، إلى الهدى، وما عليه إلا أن يبلغهم ما أوحى الله إليه. وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٣٦) ↗