سورة فصلت · الآية ٣٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته بالإحسان، ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله والاحتماء من شره فقال: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } أي: أي وقت من الأوقات، أحسست بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، وتكسيله عن الخير، وإصابة ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به { فاستعذ بالله } أي: اسأله، مفتقرا إليه، أن يعيذك ويعصمك منه، { إنه هو السميع العليم } فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك واضطرارك إلى عصمته وحمايته. ثم ذكر تعالى أن { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وسعة سلطانه، ورحمته بعباده، وأنه الله وحده لا شريك له { اليل والنهار }: هذا بمنفعة ضيائه وتصرف العباد فيه، وهذا بمنفعه ظلمه، وسكون الخلق فيه. { والشمس والقمر } اللذان لا تستقيم معايش العباد ولا أبدانهم ولا أبدان حيواناتهم إلا بهما، وبهما من المصالح ما لا يحصى عدده. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنهما مدبران مسخران مخلوقان. { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: اعبدوه وحده لأنه الخالق العظيم، ودعوا عبادة ما سواه من المخلوقات، وإن كبر جرمه وكثرت مصالحه، فإن ذلك ليس منه، وإنما هو من خالقه تبارك وتعالى. { إن كنتم إياه تعبدون } فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له. { فإن استكبروا } عن عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن يضروا الله شيئا، والله غني عنهم، وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: { فالذين عند ربك } يعني: الملائكة المقربين { يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسئمون } أي: لا يملون من عبادته، لقوتهم وشدة الداعي القوي منهم إلى ذلك. { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته، وانفراده بالملك والتدبير والوحدانية، { أنك ترى الأرض خاشعة } أي: لا نبات فيها { فإذآ أنزلنا عليها المآء } أي: المطر { اهتزت } أي: تحركت بالنبات { وربت } ثم: أنبتت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منبها خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر، {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} أي: أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يقران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} أي: ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به؛ ولهذا قال: {فإن استكبروا} أي: عن إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، {فالذين عند ربك} يعني: الملائكة، {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} ، كقوله {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان -يعني ابن وكيع-حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (2) . وقوله: {ومن آياته} أي: على قدرته على إعادة الموتى {أنك ترى الأرض خاشعة} أي: هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} أي: أخرجت من جميل ألوان الزروع والثمار، {إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربك لا يستكبرون عن ذلك، ولا يتعظمون عنه، بل يسبحون له، ويصلون ليلا ونهارا، {وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] يقول وهم لا يفترون عن عبادتهم، ولا يملون الصلاة له وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٣٧) ↗التحرير والتنوير
وقد كان العرب يحسبون دين الإسلام دين الصابئة فكانوا يقولون لمن أسلم: صبأ، وكانوا يصفون النبيء صلى الله عليه وسلم بالصابىء، فإذا لم يكن النهي في قوله: لا تسجدوا للشمس ولا للقمر نهي إقلاع بالنسبة للذين يسجدون للشمس والقمر، فهو نهي تحذير لمن لم يسجد لهما أن لا يتبعوا من يعبدونهما. ووقوع قوله: واسجدوا لله الذي خلقهن بعد النهي عن السجود للشمس والقمر يفيد مفاد الحصر لأن النهي بمنزلة النفي، ووقوع الإثبات بعده بمنزلة مقابلة النفي بالإيجاب، فإنه بمنزلة النفي والاستثناء في إفادة الحصر كما تراه في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي: تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل فكأنه قيل: لا تسجدوا إلا لله، أي دون الشمس والقمر. فجملة لا تسجدوا للشمس إلى قوله: تعبدون معترضة بين جملة ومن آياته الليل والنهار، وبين جملة فإن استكبروا [فصلت: 38] . وفي هذه الآية موضع سجود من سجود التلاوة، فقال مالك وأصحابه عدا ابن وهب: السجود عند قوله تعالى: إن كنتم إياه تعبدون وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود، وروي عن الشافعي. وقال أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه وابن وهب: هي عند قوله: وهم لا يسأمون [فصلت: 38] ، وهو عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب. [38] 38] فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) الفاء للتفريع على نهيهم عن السجود للشمس والقمر وأمر هم بالسجود لله وحده، أي فإن استكبروا أن يتبعوك وصمموا على السجود للشمس والقمر، أو فإن استكبروا عن الاعتراف بدلالة الليل والنهار والشمس والقمر على تفرد الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٣٠٠) ↗