سورة فصلت · الآية ٣٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته بالإحسان، ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله والاحتماء من شره فقال: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } أي: أي وقت من الأوقات، أحسست بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، وتكسيله عن الخير، وإصابة ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به { فاستعذ بالله } أي: اسأله، مفتقرا إليه، أن يعيذك ويعصمك منه، { إنه هو السميع العليم } فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك واضطرارك إلى عصمته وحمايته. ثم ذكر تعالى أن { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وسعة سلطانه، ورحمته بعباده، وأنه الله وحده لا شريك له { اليل والنهار }: هذا بمنفعة ضيائه وتصرف العباد فيه، وهذا بمنفعه ظلمه، وسكون الخلق فيه. { والشمس والقمر } اللذان لا تستقيم معايش العباد ولا أبدانهم ولا أبدان حيواناتهم إلا بهما، وبهما من المصالح ما لا يحصى عدده. { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنهما مدبران مسخران مخلوقان. { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: اعبدوه وحده لأنه الخالق العظيم، ودعوا عبادة ما سواه من المخلوقات، وإن كبر جرمه وكثرت مصالحه، فإن ذلك ليس منه، وإنما هو من خالقه تبارك وتعالى. { إن كنتم إياه تعبدون } فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له. { فإن استكبروا } عن عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن يضروا الله شيئا، والله غني عنهم، وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: { فالذين عند ربك } يعني: الملائكة المقربين { يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسئمون } أي: لا يملون من عبادته، لقوتهم وشدة الداعي القوي منهم إلى ذلك. { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته، وانفراده بالملك والتدبير والوحدانية، { أنك ترى الأرض خاشعة } أي: لا نبات فيها { فإذآ أنزلنا عليها المآء } أي: المطر { اهتزت } أي: تحركت بالنبات { وربت } ثم: أنبتت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منبها خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر، {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} أي: أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يقران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} أي: ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به؛ ولهذا قال: {فإن استكبروا} أي: عن إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، {فالذين عند ربك} يعني: الملائكة، {يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} ، كقوله {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان -يعني ابن وكيع-حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (2) . وقوله: {ومن آياته} أي: على قدرته على إعادة الموتى {أنك ترى الأرض خاشعة} أي: هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} أي: أخرجت من جميل ألوان الزروع والثمار، {إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
واحد منهما صاحبه، والشمس والقمر، لا الشمس تدرك القمر {ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر، فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم، فإنما يجريان به لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعا أو ضرا، وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونها، فإنه إن شاء طمس ضوءهما، فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلا، ولا تبصرون شيئا. وقيل: {واسجدوا لله الذي خلقهن} [فصلت: 37] فجمع بالهاء والنون، لأن المراد من الكلام: واسجدوا لله الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر، وذلك جمع، وأنث كنايتهن، وإن كان من شأن العرب إذا جمعوا الذكر إلى الأنثى أن يخرجوا كنايتهما بلفظ كناية المذكر فيقولوا: أخواك وأختاك كلموني، ولا يقولوا: كلمنني، لأن من شأنهم أن يؤنثوا أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع، فيقولوا: رأيت مع عمرو أثوابا فأخذتهن منه، وأعجبني خواتيم لزيد قبضتهن منه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٣٦) ↗التحرير والتنوير
كيدهم للدين، فلا تأخذ بنزغه وخذ بما أمرناك واستعذ بالله من أن يزلك الشيطان فإن الله لا يخفى عليه أمر أعدائك وهو يتولى جزاءهم. [37] 37] ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) عطف على جملة قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] الآية عطف القصة على القصة فإن المقصود من ذكر خلق العوالم أنها دلائل على انفراد الله بالإلهية، فلذلك أخبر هنا عن المذكورات في هذه الجملة بأنها من آيات الله انتقالا في أفانين الاستدلال فإنه انتقال من الاستدلال بذوات من مخلوقاته إلى الاستدلال بأحوال من أحوال تلك المخلوقات، فابتدئ ببعض الأحوال السماوية وهي حال الليل والنهار، وحال طلوع الشمس وطلوع القمر، ثم ذكر بعده بعض الأحوال الأرضية بقوله: ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة [فصلت: 39] . ويدل لهذا الانتقال أنه انتقل من أسلوب الغيبة من قوله: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة إلى قوله: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة [فصلت: 13- 34] إلى أسلوب خطابهم رجوعا إلى خطابهم الذي في قوله: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض [فصلت: 9] . والآيات: الدلائل، وإضافتها إلى ضمير الله لأنها دليل على وحدانيته وعلى وجوده. واختلاف الليل والنهار آية من آيات القدرة التي لا يفعلها غير الله تعالى، فلا جرم كانت دليلا على انفراده بالصنع فهو منفرد بالإلهية. وتقدم الكلام على الليل والنهار عند قوله تعالى في سورة البقرة [164] إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار. والمراد بالشمس والقمر ابتداء هنا حركتهما المنتظمة المستمرة، وأما خلقهما فقد علم من خلق السماوات والأرض كما تقدم آنفا في قوله:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٩٨) ↗