سورة فصلت · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وأما ثمود وهم القبيلة المعروفة الذين سكنوا الحجر وحواليه، الذين أرسل الله إليهم صالحا عليه السلام، يدعوهم إلى توحيد ربهم، وينهاهم عن الشرك وآتاهم الله الناقة آية عظيمة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، يشربون لبنها يوما، ويشربون من الماء يوما، وليسوا ينفقون عليها، بل تأكل من أرض الله، ولهذا قال هنا: { وأما ثمود فهديناهم } أي: هداية بيان، وإنما نص عليهم، وإن كان جميع الأمم المهلكة، قد قامت عليهم الحجة وحصل لهم البيان، لأن آية ثمود آية باهرة، قد رآها صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وكانت آية مبصرة، فلهذا خصهم بزيادة البيان والهدى. ولكنهم - من ظلمهم وشرهم - استحبوا العمى - الذي هو الكفر والضلال - على الهدى - الذي هو العلم والإيمان - فأخذهم العذاب بما كانوا يكسبون لا ظلما من الله لهم. { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } أي نجى الله صالحا عليه السلام ومن اتبعه من المؤمنين المتقين للشرك، والمعاصي.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فصلت ١٧–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس (1) أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: {لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} أي: لو أرسل الله رسلا (2) لكانوا ملائكة من عنده، {فإنا بما أرسلتم به} أي: أيها البشر {كافرون} أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا. قال الله تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض [بغير الحق] } (3) أي: بغوا وعتوا وعصوا، {وقالوا من أشد منا قوة} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} أي: أفما يتفكرون (4) فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] ، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: {بريح صرصر عاتية} [الحاقة:6] ، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا (5) لقوة صوت جريه. وقوله: {في أيام نحسات} أي: متتابعات، {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] ، كقوله {في يوم نحس مستمر} [القمر: 19] ، أي: ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} [أي] (6) أشد خزيا لهم، {وهم لا ينصرون} أي: في الأخرى (7) ، كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٠٢) ↗التحرير والتنوير
17] وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) بقية التفصيل الذي في قوله: فأما عاد فاستكبروا [فصلت: 15] . ولما كان حال الأمتين واحدا في عدم قبول الإرشاد من جانب الله تعالى كما أشار إليه قوله تعالى: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة [فصلت: 14] كان الإخبار عن ثمود بأن الله هداهم مقتضيا أنه هدى عادا مثل ما هدى ثمود وأن عادا استحبوا العمى على الهدى مثل ما استحبت ثمود. والمعنى: وأما ثمود فهديناهم هداية إرشاد برسولنا إليهم وتأييده بآية الناقة التي أخرجها لهم من الأرض. فالمراد بالهداية هنا: الإرشاد التكليفي، وهي غير ما في قوله: ومن يهد الله فما له من مضل [الزمر: 37] فإن تلك الهداية التكوينية لمقابلته بقوله: ومن يضلل الله فما له من هاد [غافر: 33] . واستحبوا العمى معناه: أحبوا، فالسين والتاء للمبالغة مثلهما في قوله: فاستكبروا في الأرض بغير الحق [فصلت: 15] ، أي كان العمى محبوبا لهم. والعمى: هنا مستعار للضلال في الرأي، أي اختاروا الضلال بكسبهم. وضمن (استحبوا) معنى: فضلوا، وهيأ لهذا التضمين اقترانه بالسين والتاء للمبالغة لأن المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على بقية المحبوبات فلذلك عدي (استحبوا) بحرف على، أي رجحوا باختيارهم. وتعليق على الهدى بفعل (استحبوا) لتضمينه معنى: فضلوا وآثروا. وفرع عليه فأخذتهم صاعقة العذاب الهون، وكان العقاب مناسبا للجرم لأنهم استحبوا الضلال الذي هو مثل العمى، فمن يستحبه فشأنه أن يحب العمى، فكان جزاؤهم بالصاعقة لأنها تعمي أبصارهم في حين تهلكهم قال تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم [البقرة: 20] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٦٢) ↗