سورة غافر · الآية ٨٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحث تعالى المكذبين لرسولهم على السير في الأرض بأبدانهم وقلوبهم وسؤال العالمين. { فينظروا } نظر فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال. { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، كعاد وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارا في الأرض من الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } حين جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم. ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: { فلما جآءتهم رسلهم بالبينات } من الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من الضلال، والحق من الباطل { فرحوا بما عندهم من العلم } المناقض لدين الرسل. ومن المعلوم، أن فرحهم به يدل على شدة رضاهم به وتمسكهم، ومعاداة الحق الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقا، وهذا عام لجميع العلوم التي نوقض بها ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي ردت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة أدلة لفظية لا تفيد شيئا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله والمعارضة لها والمناقضة فالله المستعان. { وحاق بهم } أي: نزل { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب. { فلما رأوا بأسنا } أي: عذابنا، أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } من الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل من علم أو عمل. { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } أي: في تلك الحال، وهذه { سنت الله } وعادته { التي قد خلت في عباده } أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا منجيا لهم من العذاب، وذلك لأنه إيمان ضرورة قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه، هو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئا، ولا رد عنهم ذرة من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل (1) بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب. وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قبل لهم به. {وحاق بهم} أي: أحاط بهم {ما كانوا به يستهزئون} أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه. {فلما رأوا بأسنا} أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة. وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] ، قال الله [تبارك و] (2) تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] أي: فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال: {واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:88] . و [هكذا] (3) هاهنا قال: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده} أي: هذا حكم الله في جميع (4) من تاب عند معاينة العذاب: أنه لا يقبل؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (5) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال: {وخسر هنالك الكافرون} آخر تفسير "سورة غافر (6) ، ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٦٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٧٣) ↗التحرير والتنوير
فالذين (فرحوا بما عندهم من العلم) هم (الذين جاءتهم رسلهم بالبينات) ، وهم الذين (حاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ، والذين رأوا بأس الله، فما بنا إلا أن نبين معنى فرحوا بما عندهم من العلم. فالفرح هنا مكنى به عن آثاره وهي الازدهاء كما في قوله تعالى: إذ قال له قومه لا تفرح [القصص: 76] أي بما أنت فيه مكنى به هنا عن تمسكهم بما هم عليه، فالمعنى: أنهم جادلوا الرسل وكابروا الأدلة وأعرضوا عن النظر. وما عندهم من العلم هو معتقداتهم الموروثة عن أهل الضلالة من أسلافهم. قال مجاهد: قالوا لرسلهم: نحن أعلم منكم لن نبعث ولن نعذب اه. وإطلاق العلم على اعتقادهم تهكم وجري على حسب معتقدهم وإلا فهو جهل. وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهلهم يعني فهو من قبيل قوله تعالى: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 148] . وحاق بهم: أحاط، يقال: حاق يحيق حيقا، إذا أحاط، وهو هنا مستعار للشدة التي لا تنفيس بها لأن المحيط بشيء لا يدع له مفرجا. وما كانوا به يستهزؤن هو الاستئصال والعذاب. والمعنى: أن رسلهم أوعدوهم بالعذاب فاستهزؤوا بالعذاب، أي بوقوعه وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أن الاستهزاء بوعيد الرسل كان شنشنة لهم، وفي الإتيان ب يستهزؤن مضارعا إفادة لتكرر استهزائهم. [84- 85] فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا موقع جملة فلما رأوا بأسنا من قوله: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات [غافر: 83] كموقع جملة فلما جاءتهم رسلهم من قوله: كانوا أكثر منهم [غافر: 82] لأن إفادة (لما) معنى التوقيت يثير معنى توقيت انتهاء ما قبلها، أي دام دعاء الرسل إياهم ودام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٢١) ↗