سورة غافر · الآية ٨٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحث تعالى المكذبين لرسولهم على السير في الأرض بأبدانهم وقلوبهم وسؤال العالمين. { فينظروا } نظر فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال. { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، كعاد وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارا في الأرض من الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } حين جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم. ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: { فلما جآءتهم رسلهم بالبينات } من الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من الضلال، والحق من الباطل { فرحوا بما عندهم من العلم } المناقض لدين الرسل. ومن المعلوم، أن فرحهم به يدل على شدة رضاهم به وتمسكهم، ومعاداة الحق الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقا، وهذا عام لجميع العلوم التي نوقض بها ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي ردت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة أدلة لفظية لا تفيد شيئا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله والمعارضة لها والمناقضة فالله المستعان. { وحاق بهم } أي: نزل { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب. { فلما رأوا بأسنا } أي: عذابنا، أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } من الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل من علم أو عمل. { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } أي: في تلك الحال، وهذه { سنت الله } وعادته { التي قد خلت في عباده } أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا منجيا لهم من العذاب، وذلك لأنه إيمان ضرورة قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه، هو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئا، ولا رد عنهم ذرة من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل (1) بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب. وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قبل لهم به. {وحاق بهم} أي: أحاط بهم {ما كانوا به يستهزئون} أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه. {فلما رأوا بأسنا} أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات، ولا تنفع المعذرة. وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] ، قال الله [تبارك و] (2) تعالى: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] أي: فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال: {واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:88] . و [هكذا] (3) هاهنا قال: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده} أي: هذا حكم الله في جميع (4) من تاب عند معاينة العذاب: أنه لا يقبل؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (5) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال: {وخسر هنالك الكافرون} آخر تفسير "سورة غافر (6) ، ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٦٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وجل {فرحوا بما عندهم من العلم} [غافر: 83] يقول: فرحوا جهلا منهم بما عندهم من العلم وقالوا: لن نبعث، ولن يعذبنا الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٧٢) ↗التحرير والتنوير
والأكثر في استعمال (أي) إذا أضيفت إلى اسم مؤنث اللفظ أن لا تلحقها هاء التأنيث اكتفاء بتأنيث ما تضاف إليه لأن الغالب في الأسماء التي ليست بصفات أن لا يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالهاء نحو حمار فلا يقال للمؤنث حمارة. و (أي) اسم ويزيد بما فيه من الإبهام فلا يفسره إلا المضاف إليه فلذلك قال هناأي آيات الله دون: فأية آيات الله، لأن إلحاق علامة التأنيث ب (أي) في مثل هذا قليل، ومن غير الغالب تأنيث (أي) في قول الكميت: بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عارا علي وتحسب [82- 83] 83] أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) تفريع هذا الاستفهام عقب قوله: يريكم آياته [غافر: 81] ، يقتضي أنه مساوق للتفريع الذي قبله وهوأي آيات الله تنكرون [غافر: 81] فيقتضي أن السير المستفهم عنه بالإنكار على تركه هو سير تحصل فيه آيات ودلائل على وجود الله ووحدانيته وكلا التفريعين متصل بقوله: ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون [غافر: 80] ، فذلك هو مناسبة الانتقال إلى التذكير بعبرة آثار الأمم التي استأصلها الله تعالى لما كذبت رسله وجحدت آياته ونعمه. وحصل بذلك تكرير الإنكار الذي في قوله قبل هذا: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة [غافر: 21] الآية، فكان ما تقدم انتقالا عقب آيات الإنذار والتهديد، وكان هذا انتقالا عقب آيات الامتنان والاستدلال، وفي كلا الانتقالين تذكير وتهديد ووعيد. وهو يشير إلى أنهم إن لم يكونوا ممن تزعهم النعم عن كفران مسديها كشأن أهل النفوس الكريمة فليكونوا ممن يردعهم الخوف من البطش كشأن أهل النفوس اللئيمة فليضعوا أنفسهم حيث يختارون من إحدى الخطتين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢١٩) ↗