سورة غافر · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك، الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم، ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال: { الذين يحملون العرش } أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم، واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17]. { ومن حوله } من الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة { يسبحون بحمد ربهم } هذا مدح لهم بكثرة عبادتهم لله تعالى، وخصوصا التسبيح والتحميد، وسائر العبادات تدخل في تسبيح الله وتحميده، لأنها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره، وحمد له تعالى، بل الحمد هو العبادة لله تعالى، وأما قول العبد: " سبحان الله وبحمده " فهو داخل في ذلك، وهو من جملة العبادات. { ويستغفرون للذين آمنوا } وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة جدا، أن الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان، فالمؤمن بإيمانه تسبب لهذا الفضل العظيم. ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها - غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوب - ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، فقال: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } فعلمك قد أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
كما قال تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17] . وهنا سؤال وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية، ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة (1) ، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب. قال: "والمزن؟ " قالوا: والمزن. قال: "والعنان؟ " قالوا: والعنان -قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيدا -قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري. قال: "بعد ما بينهما إما واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث (2) وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك" حتى عد سبع سموات "ثم فوق السماء السابعة بحر (3) ، بين (4) أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله، عز وجل، فوق ذلك" ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث سماك بن حرب، به (5) . وقال الترمذي: حسن غريب. وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية، كما قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك". وأربعة يقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك". ولهذا يقولون إذا استغفروا (6) للذين آمنوا: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي: إن رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم [وأقوالهم] (7) وحركاتهم وسكناتهم، {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} أي: فاصفح عن المسيئين (8) إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به، من فعل الخيرات وترك المنكرات، {وقهم عذاب الجحيم} أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يحف به من الملائكة {يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره {ويؤمنون به} [غافر: 7] يقول: ويقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته {ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7] يقول: ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد الله، والبراءة من كل معبود سواه ذنوبهم، فيعفوها عنهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٨٣) ↗التحرير والتنوير
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) استئناف ابتدائي اقتضاه الانتقال من ذكر الوعيد المؤذن بذم الذين كفروا إلى ذكر الثناء على المؤمنين، فإن الكلام الجاري على ألسنة الملائكة مثل الكلام الجاري على ألسنة الرسل إذ الجميع من وحي الله، والمناسبة المضادة بين الحالين والمقالين. ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن وعيد المجادلين في آيات الله أن يسأل سائل عن حال الذين لا يجادلون في آيات الله فآمنوا بها. وخص في هذه الآية طائفة من الملائكة موصوفة بأوصاف تقتضي رفعة شأنهم تذرعا من ذلك إلى التنويه بشأن المؤمنين الذين تستغفر لهم هذه الطائفة الشريفة من الملائكة، وإلا فإن الله قد أسند مثل هذا الاستغفار لعموم الملائكة في قوله في سورة الشورى [5] والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض أي من المؤمنين بقرينة قوله فيها بعده: والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم [الشورى: 6] . والذين يحملون العرش هم الموكلون برفع العرش المحيط بالسماوات وهو أعظم السماوات، ولذلك أضيف إلى الله في قوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17] . ومن حوله طائفة من الملائكة تحف بالعرش تحقيقا لعظمته قال تعالى: وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم [الزمر: 75] ، ولا حاجة إلى الخوض في عددهم وما يعلم جنود ربك إلا هو [المدثر: 31] . والإخبار عن صنفي الملائكة بأنهم يسبحون ويؤمنون به توطئة وتمهيد للإخبار عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا فذلك هو المقصود من الخبر، فقدم له ما فيه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٨٩) ↗