سورة غافر · الآية ٦٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر الأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وذكر الأدلة على ذلك والبينات، صرح بالنهي عن عبادة ما سواه فقال: { قل } يا أيها النبي { إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } من الأوثان والأصنام، وكل ما عبد من دون الله. ولست على شك من أمري، بل على يقين وبصيرة، ولهذا قال: { لما جآءني البينت من ربي وأمرت أن أسلم لرب العلمين } بقلبي ولساني وجوارحي، بحيث تكون منقادة لطاعته، مستسلمة لأمره، وهذا أعظم مأمور به على الإطلاق، كما أن النهي عن عبادة ما سواه أعظم منهي عنه على الإطلاق، ثم قرر هذا التوحيد بأنه الخالق لكم والمطور لخلقتكم، فكما خلقكم وحده فاعبدوه وحده، فقال: { هو الذي خلقكم من تراب } وذلك بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ثم من نطفة } وهذا ابتداء خلق سائر النوع الإنساني، ما دام في بطن أمه، فنبه بالابتداء على بقية الأطوار، من العلقة، فالمضغة، فالعظام، فنفخ الروح، { ثم يخرجكم طفلا } ثم هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا أشدكم من قوة العقل والبدن، وجميع قواه الظاهرة والباطنة. { ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل } بلوغ الأشد { ولتبلغوا } بهذه الأطوار المقدرة أجل مسمى تنتهي عنده أعماركم. { ولعلكم تعقلون } أحوالكم، فتعلمون أن المطور لكم في هذه الأطوار كامل الاقتدار، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأنكم ناقصون من كل وجه. { هو الذي يحيي ويميت } أي هو المنفرد بالإحياء والإماتة، فلا تموت نفس بسبب أو بغير سبب، إلا بإذنه. وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير [فاطر: 11]. { فإذا قضى أمرا } جليلا أو حقيرا { فإنما يقول له كن فيكون } لا رد في ذلك، ولا مثنوية، ولا تمنع.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٦٦–٦٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والأوثان. وقد بين تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، في قوله: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا} أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها، وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله، {ومنكم من يتوفى من قبل} أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل تسقطه أمه سقطا، ومنهم من يتوفى صغيرا، وشابا، وكهلا قبل الشيخوخة، كقوله: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} [الحج: 5] وقال هاهنا: {ولعلكم تعقلون} قال ابن جريج، تتذكرون البعث. ثم قال: {هو الذي يحيي ويميت} أي: هو المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، {فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} أي: لا يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان [لا محالة] (1) . يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق والباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال، {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} أي: من الهدى والبيان، {فسوف يعلمون} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب، جل جلاله، لهؤلاء، كما قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 15] . وقوله: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} أي: متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم؛ ولهذا قال: {يسحبون. في الحميم ثم في النار يسجرون} ، كما قال: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . وقال بعد ذكره أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} [الصافات:68] وقال {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال. في سموم وحميم. وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم} إلى أن قال: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون. لآكلون من شجر من زقوم. فمالئون منها البطون. فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم. هذا نزلهم يوم الدين} [الواقعة: 41 -56] . …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٥٩) ↗التحرير والتنوير
لفعل تعقلون بمفعول ولا بمجرور لأنه نزل منزلة اللازم، أي رجاء أن يكون لكم عقول فهو مراد لله من ذلك الخلق فمن حكمته أن جعل ذلك الخلق العجيب علة لأمور كثيرة. [68] هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) استئناف خامس ومناسبة موقعه من قوله: هو الذي خلقكم من تراب إلى قوله: ثم يخرجكم طفلا إلى ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون [غافر: 67] فإن من أول ما يرجى أن يعقلوه هو ذلك التصرف البديع بخلق الحياة في الإنسان عند تكوينه بعد أن كان جثة لا حياة فيها، وخلق الموت فيه عند انتهاء أجله بعد أن كان حيا متصرفا بقوته وتدبيره. فمعنى يحيي يوجد المخلوق حيا. ومعنى يميت أنه يعدم الحياة عن الذي كان حيا، وهذا هو محل العبرة. وأما إمكان الإحياء بعد الإماتة فمدلول بدلالة قياس التمثيل العقلي وليس هو صريح الآية. والمقصود الامتنان بالحياة تبعا لقوله قبل هذا: هو الذي خلقكم من تراب إلى قوله: ثم يخرجكم طفلا [غافر: 67] . وفي قوله: يحيي ويميت المحسن البديعي المسمى الطباق. وفرع على هذا الخبر إخبار بأنه إذا أراد أمرا من أمور التكوين من إحياء أو إماتة أو غيرهما فإنه يقدر على فعله دون تردد ولا معالجة، بل بمجرد تعلق قدرته بالمقدور وذلك التعلق هو توجيه قدرته للإيجاد أو الإعدام. فالفاء من قوله: فإذا قضى فاء تفريع الإخبار بما بعدها على الإخبار بما قبلها. وقول: كن تمثيل لتعلق القدرة بالمقدور بلا تأخير ولا عدة ولا معاناة وعلاج بحال من يرد إذن غيره بعمل فلا يزيد على أن يوجه إليه أمرا فإن صدور القول
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٩٩) ↗