سورة غافر · الآية ٦٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر الأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وذكر الأدلة على ذلك والبينات، صرح بالنهي عن عبادة ما سواه فقال: { قل } يا أيها النبي { إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } من الأوثان والأصنام، وكل ما عبد من دون الله. ولست على شك من أمري، بل على يقين وبصيرة، ولهذا قال: { لما جآءني البينت من ربي وأمرت أن أسلم لرب العلمين } بقلبي ولساني وجوارحي، بحيث تكون منقادة لطاعته، مستسلمة لأمره، وهذا أعظم مأمور به على الإطلاق، كما أن النهي عن عبادة ما سواه أعظم منهي عنه على الإطلاق، ثم قرر هذا التوحيد بأنه الخالق لكم والمطور لخلقتكم، فكما خلقكم وحده فاعبدوه وحده، فقال: { هو الذي خلقكم من تراب } وذلك بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ثم من نطفة } وهذا ابتداء خلق سائر النوع الإنساني، ما دام في بطن أمه، فنبه بالابتداء على بقية الأطوار، من العلقة، فالمضغة، فالعظام، فنفخ الروح، { ثم يخرجكم طفلا } ثم هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا أشدكم من قوة العقل والبدن، وجميع قواه الظاهرة والباطنة. { ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل } بلوغ الأشد { ولتبلغوا } بهذه الأطوار المقدرة أجل مسمى تنتهي عنده أعماركم. { ولعلكم تعقلون } أحوالكم، فتعلمون أن المطور لكم في هذه الأطوار كامل الاقتدار، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأنكم ناقصون من كل وجه. { هو الذي يحيي ويميت } أي هو المنفرد بالإحياء والإماتة، فلا تموت نفس بسبب أو بغير سبب، إلا بإذنه. وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير [فاطر: 11]. { فإذا قضى أمرا } جليلا أو حقيرا { فإنما يقول له كن فيكون } لا رد في ذلك، ولا مثنوية، ولا تمنع.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٦٦–٦٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والأوثان. وقد بين تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، في قوله: {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا} أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها، وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله، {ومنكم من يتوفى من قبل} أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل تسقطه أمه سقطا، ومنهم من يتوفى صغيرا، وشابا، وكهلا قبل الشيخوخة، كقوله: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} [الحج: 5] وقال هاهنا: {ولعلكم تعقلون} قال ابن جريج، تتذكرون البعث. ثم قال: {هو الذي يحيي ويميت} أي: هو المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، {فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} أي: لا يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان [لا محالة] (1) . يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق والباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال، {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا} أي: من الهدى والبيان، {فسوف يعلمون} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب، جل جلاله، لهؤلاء، كما قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 15] . وقوله: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} أي: متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم؛ ولهذا قال: {يسحبون. في الحميم ثم في النار يسجرون} ، كما قال: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . وقال بعد ذكره أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} [الصافات:68] وقال {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال. في سموم وحميم. وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم} إلى أن قال: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون. لآكلون من شجر من زقوم. فمالئون منها البطون. فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم. هذا نزلهم يوم الدين} [الواقعة: 41 -56] . …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عليهم في وحدانيته: قل يا محمد لقومك: أمرت أن أسلم لرب العالمين الذي صفته هذه الصفات. وهي أنه خلق أباكم آدم {من تراب ثم} [آل عمران: 59] خلقكم {من نطفة ثم من علقة} [الحج: 5] بعد أن كنتم نطفا {ثم يخرجكم طفلا} [غافر: 67] من بطون أمهاتكم صغارا، {ثم لتبلغوا أشدكم} [الحج: 5] فتتكامل قواكم، ويتناهى شبابكم، وتمام خلقكم شيوخا {ومنكم من يتوفى من قبل} [غافر: 67] أن يبلغ الشيخوخة {ولتبلغوا أجلا مسمى} [غافر: 67] يقول: ولتبلغوا ميقاتا مؤقتا لحياتكم، وأجلا محدودا لا تجاوزونه، ولا تتقدمون قبله {ولعلكم تعقلون} [غافر: 67] يقول: وكي تعقلوا حجج الله عليكم بذلك، وتتدبروا آياته فتعرفوا بها أنه لا إله غيره فعل ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٥٩) ↗التحرير والتنوير
المعرض بهم ليعلموا أن هذا النهي ومجيء البينات هو من جانب سيده وسيدهم فما يسعهم إلا أن يطيعوه ولذلك عززه بإضافة الرب إلى الجميع في قوله: وأمرت أن أسلم لرب العالمين أي ربكم ورب غيركم فلا منصرف لكم عن طاعته. والإسلام: الانقياد بالقول والعمل، وفعله متعد، وكثر حذف مفعوله فنزل منزلة اللازم، فأصله: أسلم نفسه أو ذاته أو وجهه كما صرح به في نحو قوله تعالى: فقل أسلمت وجهي لله، ومن استعماله كاللازم قوله تعالى: فقل أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران [20] وقوله تعالى: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين في سورة البقرة [131] ، وكذلك هو هنا. [67] 67] هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) استئناف رابع بعد استئناف جملة هو الحي [غافر: 65] وما تفرع عليها، وكلها ناشىء بعضه عن بعض. وهذا الامتنان بنعمة الإيجاد وهو نعمة لأن الموجود شرف والمعدوم لا عناية به. وأدمج فيه الاستدلال على الإبداع. وتقدم الكلام على أطوار خلق الإنسان في سورة الحج، وتقدم الكلام على بعضه في سورة فاطر. والطفل: اسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع، للمذكر والمؤنث قال تعالى: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء [النور: 31] وقد يطابق فيقال: طفل وطفلان وأطفال. واللامات في قوله: ثم لتبلغوا أشدكم وما عطف عليه ب (ثم) متعلقات بمحذوف تقديره: ثم يبقيكم، أو ثم ينشئكم لتبلغوا أشدكم، وهي لامات
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٩٧) ↗