البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة غافر · الآية ٦٣

﴿كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء، فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد غيره من العبودية شيئا، كما لم يستحق من الربوبية شيئا، وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران - وهما معرفته وعبادته - هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير وحضر كل شر. فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال. فقوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل } أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلما، { لتسكنوا فيه } من حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضا، كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. { و } جعل تعالى { النهار مبصرا } منيرا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برا وبحرا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح حيواناته. { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} أي: جعلها مستقرا لكم، بساطا مهادا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، {والسماء بناء} أي: سقفا للعالم محفوظا، {وصوركم فأحسن صوركم} أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، {ورزقكم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق -فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 21، 20] (1) وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال: {هو الحي لا إله إلا هو} أي: هو الحي أزلا وأبدا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، {لا إله إلا هو} أي: لا نظير له ولا عديل له، {فادعوه مخلصين له الدين} أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو {الحمد لله رب العالمين} . قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس (2) قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك (3) قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} . وقال أبو أسامة وغيره، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير قال: إذا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٥٥) ↗

التحرير والتنوير

63] كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) هذه الجملة معترضة بمنزلة التعليل لمضمون الجملة التي قبلها وهو التعجيب من انصرافهم عن عبادة ربهم خالقهم وخالق كل شيء فإن في تعليل ذلك ما يبين سبب التعجيب، فجيء في جانب المأفوكين بالموصول لأن الصلة تومىء إلى وجه بناء الخبر وعلته، أي أن استمرارهم على الجحد بآيات الله دون تأمل ولا تدبر في معانيها ودلائلها يطبع نفوسهم على الانصراف عن العلم بوجوب الوحدانية له تعالى. فالإشارة بذلك إلى الإفك المأخوذ من فعل تؤفكون [غافر: 62] أي مثل إفككم ذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون. فيجوز أن يكون المراد ب الذين كانوا بآيات الله يجحدون المخاطبين بقوله: ذلكم الله ربكم [غافر: 62] ، ويكون الموصول وصلته إظهارا في مقام الإضمار، والمعنى: كذلك تؤفكون، أي مثل إفككم تؤفكون، ويكون التشبيه مبالغة في أن إفكهم بلغ في كنه الإفك النهاية بحيث لو أراد المقرب أن يقربه للسامعين بشبيه له لم يجد شبيها له أوضح منه وأجلى في ماهيته فلا يسعه إلا أن يشبهه بنفسه على الطريقة المألوفة المبينة في قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] ، وبذلك تكون صلة الموصول من قوله: الذين كانوا بآيات الله يجحدون إيماء إلى علة إفكهم تعليلا صريحا. ويجوز أن يكون المراد ب الذين كانوا بآيات الله يجحدون كل من جحد بآيات الله من مشركي العرب ومن غيرهم من المشركين والمكذبين فيصير التعليل المومى إليه بالصلة تعليلا تعريضيا لأنه إذا كان الإفك شأن الذين يجحدون بآيات الله كلهم فقد شمل ذلك هؤلاء بحكم المماثلة. وصيغة المضارع لاستحضار الحالة، وذكر فعل الكون للدلالة على أن الجحد بآيات الله شأنهم وهجيراهم. وهذا أصل عظيم في الأخلاق العلمية، فإن العقول التي تتخلق بالإنكار

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٨٨) ↗