البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة غافر · الآية ٦٢

﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء، فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد غيره من العبودية شيئا، كما لم يستحق من الربوبية شيئا، وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران - وهما معرفته وعبادته - هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير وحضر كل شر. فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال. فقوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل } أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلما، { لتسكنوا فيه } من حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضا، كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. { و } جعل تعالى { النهار مبصرا } منيرا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برا وبحرا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح حيواناته. { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} أي: جعلها مستقرا لكم، بساطا مهادا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، {والسماء بناء} أي: سقفا للعالم محفوظا، {وصوركم فأحسن صوركم} أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، {ورزقكم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق -فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 21، 20] (1) وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال: {هو الحي لا إله إلا هو} أي: هو الحي أزلا وأبدا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، {لا إله إلا هو} أي: لا نظير له ولا عديل له، {فادعوه مخلصين له الدين} أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو {الحمد لله رب العالمين} . قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس (2) قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك (3) قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} . وقال أبو أسامة وغيره، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير قال: إذا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٥٥) ↗

التحرير والتنوير

62] ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) اتصل الكلام على دلائل التفرد بالإلهية من قوله: ذلكم الله ربكم خالق كل شيء إلى قوله: مخلصين له الدين [غافر: 62- 65] اتصال الأدلة بالمستدل عليه. والإشارة ب ذلكم إلى اسم الجلالة في قوله: الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه [غافر: 61] . وعدل عن الضمير إلى اسم الإشارة لإفادة أنه تعالى معلوم متميز بأفعاله المنفرد بها بحيث إذا ذكرت أفعاله تميز عما سواه فصار كالمشاهد المشار إليه، فكيف تلتبس إلهيته بإلهية مزعومة للأصنام فليست للذين أشركوا به شبهة تلبس عليهم ما لا يفعل مثل فعله، أي ذلكم ربكم لا غيره وفي اسم الإشارة هذا تعريض بغباوة المخاطبين الذين التبست عليهم حقيقة إلهيته. وقوله: الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار أربعة عن اسم الإشارة، ابتدئ فيها بالاسم الجامع لصفات الإلهية إجمالا، وأردف ب ربكم أي الذي دبر خلق الناس وهيأ لهم ما به قوام حياتهم. ولما كان في معنى الربوبية من معنى الخلق ما هو خلق خاص بالبشر بأنه خالق الأشياء كلها كما خلقهم، وأردف بنفي الإلهية عن غيره فجاءت مضامين هذه الأخبار الأربعة مترتبة بطريقة الترقي، وكان رابعها نتيجة لها، ثم فرع عليها استفهام تعجيبي من انصرافهم عن عبادته إلى جانب عبادة غيره مع وضوح فساد إعراضهم عن عبادته. وفأنى اسم استفهام عن الكيفية، وأصله استفهام عن المكان فإذا جعلوا الحالة في معنى الجانب ومثار الشيء استفهموا ب (أنى) عن الحالة ويشعر بذلك قوله تعالى: أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة في سورة الأنعام [101] . وتؤفكون تصرفون، وتقدم في قوله تعالى: قاتلهم الله أنى يؤفكون في سورة براءة [30] ، وبناؤه للمجهول لإجمال بسبب إعراضهم إذ سيبين بحاصل الجملة بعده.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٨٧) ↗