سورة غافر · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بما تقرر في العقول، أن خلق السماوات والأرض - على عظمهما وسعتهما - أعظم وأكبر من خلق الناس، فإن الناس بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض من أصغر ما يكون فالذي خلق الأجرام العظيمة وأتقنها، قادر على إعادة الناس بعد موتهم من باب أولى وأحرى. وهذا أحد الأدلة العقلية الدالة على البعث دلالة قاطعة بمجرد نظر العاقل إليها، يستدل بها استدلالا لا يقبل الشك والشبهة بوقوع ما أخبرت به الرسل من البعث. وليس كل أحد يجعل فكره لذلك ويقبل بتدبره، ولهذا قال: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ولذلك لا يعتبرون بذلك، ولا يجعلونه منهم على بال. ثم قال تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء } أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل الصالحات، ومن كان مستكبرا على عبادة ربه، مقدما على معاصيه، ساعيا في مساخطه، { قليلا ما تتذكرون } أي: تذكركم قليل، وإلا، فلو تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار والفجار، وكانت لكم همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على الضلال، والسعادة الدائمة، على الدنيا الفانية. { إن الساعة لآتية لا ريب فيها } قد أخبرت بها الرسل الذين هم أصدق الخلق ونطقت بها الكتب السماوية، التي جميع أخبارها أعلى مراتب الصدق، وقامت عليها الشواهد المرئية والآيات الأفقية. { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } مع هذه الأمور، التي توجب كمال التصديق والإذعان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٥٧–٥٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن (1) شيخ قديم من أهل اليمن -قدم من ثم-قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس. هذا من فضله، تبارك وتعالى، وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك (2) غيرك يا رب. رواه ابن أبي حاتم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله %~% وبني آدم حين يسأل يغضب وقال قتادة:: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن (3) أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيا قيل له: "أنت شاهد على أمتك"، وجعلتكم (4) شهداء على الناس. وكان يقال له: "ليس عليك في الدين من حرج". وقال لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] . وكان يقال له: "ادعني (5) أستجب لك "وقال لهذه الأمة: {ادعوني أستجب لكم} رواه ابن أبي حاتم. وقال (6) الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المري قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يروي عن ربه عز وجل-قال: "أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي (7) : فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما (8) ترضى لنفسك" (9) . وقال (10) الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذر، عن يسيع الكندي، عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من شيء، ويؤمن به ويصدق. والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره، وذلك مثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله، فيتفكر فيها ويتعظ، ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه، وعظيم سلطانه وقدرته على خلق ما يشاء؛ يقول جل ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] يقول جل ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم، ولا المسيء، وهو الكافر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٥٠) ↗التحرير والتنوير
مقتضى الظاهر الإضمار، لتكون الجملة مستقلة بالدلالة فتصلح لأن تسير مسير الأمثال، فالمعنى أنهم أنكروا البعث لاستبعادهم خلق الأجسام مع أن في خلق السماوات والأرض ما لا يبقى معه استبعاد مثل ذلك. [58] 58] وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) لما نزلهم منزلة من لا يعلم ضرب مثلا لهم وللمؤمنين، فمثل الذين يجادلون في أمر البعث مع وضوح إمكانه مثل الأعمى، ومثل المؤمنين الذين آمنوا به حال البصير، وقد علم حال المؤمنين من مفهوم صفة أكثر الناس لأن الأكثرين من الذين لا يعلمون يقابلهم أقلون يعلمون. والمعنى: لا يستوي الذين اهتدوا والذين هم في ضلال، فإطلاق الأعمى والبصير استعارة للفريقين الذين تضمنهما قوله: ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] . ونفي الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية في سورة النساء [95] ، ومن المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في أن البصر أشرف من العمى في شخص واحد، ونفي الاستواء بدون متعلق يقتضي العموم في متعلقاته، لكنه يخص بالمتعلقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي آيات الله ودلائل صفاته، ويسمى مثل هذا العموم العموم العرفي، وتقدم نظيرها في سورة فاطر [19] . وقوله: والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء زيادة بيان لفضيلة أهل الإيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة إمكان البعث ونحوه من أدلة الإيمان. والمعنى: وما يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئون، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله: وعملوا الصالحات ولا المسيء، وفيه إيماء إلى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٧٧) ↗