البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة غافر · الآية ٥

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل في آياته إلا الذين كفروا والمراد بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع الكفار، وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى الذي يلقي الحق ليدحض به الباطل، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية، ويظن أن إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له، وأنه على الحق، ولهذا قال: { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي: ترددهم فيها بأنواع التجارات والمكاسب، بل الواجب على العبد، أن يعتبر الناس بالحق، وينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما عليه من لا علم ولا عقل له. ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، { و } أنه بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه { وهمت كل أمة } من الأمم { برسولهم ليأخذوه } أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير، الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: { فأخذتهم } أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم { فكيف كان عقاب } كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة، أو حاصب ينزل عليهم، أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون. { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا } أي: كما حقت على أولئك، حقت عليهم كلمة الضلال التي نشأت عنها كلمة العذاب، ولهذا قال: { أنهم أصحاب النار }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٤–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} أي: كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك (1) فلا وثوق له بتصديق غيرك. يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله من الكروبيين، بأنهم يسبحون بحمد ربهم، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، {ويؤمنون به} أي: خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم {يستغفرون للذين آمنوا} أي: من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله" (1) . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة -حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة عن ابن عباس (2) [رضي الله عنه] (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية في شيء من شعره، فقال: رجل وثور تحت رجل يمينه %~% والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق". فقال: والشمس تطلع كل آخر ليلة %~% حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها %~% إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق" (4) . وهذا إسناد جيد: وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٣٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين جحدوا توحيده

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٧٩) ↗

التحرير والتنوير

على حقيقة بابه، أي موجها إلى من يتوقع منه الغرور، ومثله كثير في كلامهم، قال كعب بن زهير: فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل ويجوز أن يكون الخطاب موجها للنبيء صلى الله عليه وسلم على أن تكون صيغة النهي تمثيلية بتمثيل حال النبيء صلى الله عليه وسلم في استبطائه عقاب الكافرين بحال من غره تقلبهم في البلاد سالمين، كقوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [الحجر: 3] . والمعنى: لا يوهمنك تناولهم مختلف النعماء واللذات في حياتهم أننا غير مؤاخذينهم على جدالهم في آياتنا، أو لا يوهمنك ذلك أننا لا نعلم ما هم عليه فلم نؤاخذهم به تنزيلا للعالم منزلة الجاهل في شدة حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على دوام كفرهم ومعاودة أذاهم كقوله: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون [إبراهيم: 42] ، وفي معنى هذه قوله تعالى: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد وتقدمت في آل عمران [196، 197] . [5] 5] كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) جملة كذبت قبلهم قوم نوح وما بعدها بيان لجملة فلا يغررك تقلبهم في البلاد [غافر: 4] باعتبار التفريع الواقع عقب هاته الجمل من قوله: فأخذتهم فكيف كان عقاب، فالمعنى: سبقتهم أمم بتكذيب الرسل كما كذبوك وجادلوا بالباطل رسلهم كما جادلك هؤلاء فأخذتهم فكيف رأيت عقابي إياهم كذلك مثل هؤلاء في إمهالهم إلى أن آخذهم. والأحزاب: جمع حزب بكسر الحاء وسكون الزاي وهو اسم للجماعة الذين هم سواء في شأن: من اعتقاد أو عمل أو عادة. والمراد بهم هنا الأمم الذين

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٨٤) ↗