البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة غافر · الآية ٤

﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل في آياته إلا الذين كفروا والمراد بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع الكفار، وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى الذي يلقي الحق ليدحض به الباطل، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية، ويظن أن إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له، وأنه على الحق، ولهذا قال: { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي: ترددهم فيها بأنواع التجارات والمكاسب، بل الواجب على العبد، أن يعتبر الناس بالحق، وينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما عليه من لا علم ولا عقل له. ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، { و } أنه بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه { وهمت كل أمة } من الأمم { برسولهم ليأخذوه } أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير، الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: { فأخذتهم } أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم { فكيف كان عقاب } كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة، أو حاصب ينزل عليهم، أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون. { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا } أي: كما حقت على أولئك، حقت عليهم كلمة الضلال التي نشأت عنها كلمة العذاب، ولهذا قال: { أنهم أصحاب النار }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ٤–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} أي: كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك (1) فلا وثوق له بتصديق غيرك. يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة، ومن حوله من الكروبيين، بأنهم يسبحون بحمد ربهم، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح، {ويؤمنون به} أي: خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم {يستغفرون للذين آمنوا} أي: من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله" (1) . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة -حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة عن ابن عباس (2) [رضي الله عنه] (3) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية في شيء من شعره، فقال: رجل وثور تحت رجل يمينه %~% والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق". فقال: والشمس تطلع كل آخر ليلة %~% حمراء يصبح لونها يتورد تأبى فما تطلع لنا في رسلها %~% إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق" (4) . وهذا إسناد جيد: وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٣٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين جحدوا توحيده

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٧٩) ↗

التحرير والتنوير

ووقوعه مع شديد العقاب ومزاوجتها بوصفي غافر الذنب وقابل التوب ليشير إلى التخويف بعذاب الآخرة من وصف شديد العقاب، وبعذاب الدنيا من وصف ذي الطول كقوله: أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون [الزخرف: 42] ، وقوله: قل إن الله قادر على أن ينزل آية [الأنعام: 37] . وأعقب ذلك بما يدل على الوحدانية وبأن المصير، أي المرجع إليه تسجيلا لبطلان الشرك وإفسادا لإحالتهم البعث. فجملة لا إله إلا هو في موضع الصفة، وأتبع ذلك بجملة إليه المصير إنذارا بالبعث والجزاء لأنه لما أجريت صفات غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب أثير في الكلام الإطماع والتخويف فكان حقيقا بأن يشعروا بأن المصير إما إلى ثوابه وإما إلى عقابه فليزنوا أنفسهم ليضعوها حيث يلوح من حالهم. وتقديم المجرور في إليه المصير للاهتمام وللرعاية على الفاصلة بحرفين: حرف لين، وحرف صحيح مثل: العليم، والبلاد، وعقاب. وقد اشتملت فاتحة هذه السورة على ما يشير إلى جوامع أغراضها ويناسب الخوض في تكذيب المشركين بالقرآن ويشير إلى أنهم قد اعتزوا بقوتهم ومكانتهم وأن ذلك زائل عنهم كما زال عن أمم أشد منهم، فاستوفت هذه الفاتحة كمال ما يطلب في فواتح الأغراض مما يسمى براعة المطلع أو براعة الاستهلال. [4] 4] ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) استئناف بياني نشأ من قوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [غافر: 2] المقتضي أن كون القرآن منزلا من عند الله أمر لا ريب فيه كما تقدم، فينشأ في نفوس السامعين أن يقولوا: فما بال هؤلاء المجادلين في صدق نسبة القرآن إلى الله لم تقنعهم دلائل نزول القرآن من الله، فأجيب بأنه ما يجادل في صدق القرآن إلا الذين كفروا بالله وإذ قد كان كفر المكذبين بالقرآن أمرا معلوما كان الإخبار عنهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٨١) ↗