سورة غافر · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } إلى آخر القصة. أي: { ولقد أرسلنا } إلى جنس هؤلاء المكذبين { موسى } ابن عمران، { بآياتنا } العظيمة، الدالة دلالة قطعية، على حقية ما أرسل به، وبطلان ما عليه من أرسل إليهم من الشرك وما يتبعه. { وسلطان مبين } أي: حجة بينة، تتسلط على القلوب فتذعن لها، كالحية والعصا ونحوهما من الآيات البينات، التي أيد الله بها موسى، ومكنه مما دعا إليه من الحق. والمبعوث إليهم { فرعون وهامان } وزيره { وقارون } الذي كان من قوم موسى، فبغى عليهم بماله، وكلهم ردوا عليه أشد الرد { فقالوا ساحر كذاب }. { فلما جآءهم بالحق من عندنا } وأيده الله بالمعجزات الباهرة، الموجبة لتمام الإذعان، لم يقابلوها بذلك، ولم يكفهم مجرد الترك والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها بباطلهم، بل وصلت بهم الحال الشنيعة إلى أن { قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه واستحيوا نسآءهم وما كيد الكافرين } حيث كادوا هذه المكيدة، وزعموا أنهم إذا قتلوا أبناءهم، لم يقووا، وبقوا في رقهم وتحت عبوديتهم. فما كيدهم إلا في ضلال، حيث لم يتم لهم ما قصدوا، بل أصابهم ضد ما قصدوا، أهلكهم الله وأبادهم عن آخرهم. وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السياق في قصة معينة أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم، لا يختص به ذكر الحكم، وعلقه على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين. فلهذا لم يقل " وما كيدهم إلا في ضلال " بل قال: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال }. { وقال فرعون } متكبرا متجبرا مغررا لقومه السفهاء: { ذروني أقتل موسى وليدع ربه } أي: زعم - قبحه الله - أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في الأرض فقال: { إني أخاف أن يبدل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وهذا عزم من فرعون -لعنه الله- على قتل موسى، عليه السلام، أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا، {وليدع ربه} أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد. وقوله -قبحه الله-: {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} يعني: موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: "صار فرعون مذكرا" يعني: واعظا، يشفق على الناس من موسى، عليه السلام. وقرأ الأكثرون: "أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد" وقرأ آخرون: {أو أن يظهر في الأرض الفساد} وقرأ بعضهم: "يظهر في الأرض الفساد" بالضم. وقال موسى: {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي: لما بلغه قول فرعون: {ذروني أقتل موسى} قال موسى: استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: {إني عذت بربي وربكم} أيها المخاطبون، {من كل متكبر} أي: عن الحق، مجرم، {لا يؤمن بيوم الحساب} ؛
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٣٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كل متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء؛ وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا، لم يكن للثواب على
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣١٠) ↗التحرير والتنوير
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر وأن بواو العطف. وقرأ غيرهم أو أن ب (أو) التي للترديد، أي لا يخلو سعي موسى عن حصول أحد هاذين. وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بضم ياء يظهر ونصب الفساد أي يبدل دينكم ويكون سببا في ظهور الفساد. وقرأه ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بفتح الياء وبرفع الفساد على معنى أن الفساد يظهر بسبب ظهور أتباع موسى، أو بأن يجترىء غيره على مثل دعواه بأن تزول حرمة الدولة، لأن شأن أهل الخوف عن عمل أن ينقلب جبنهم شجاعة إذا رأوا نجاح من اجترأ على العمل الذي يريدون مثله. [27] 27] وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) هذا حكاية كلام صدر من موسى في غير حضرة فرعون لا محالة، لأن موسى لم يكن ممن يضمه ملأ استشارة فرعون حين قال لقومه: ذروني أقتل موسى [غافر: 26] ولكن موسى لما بلغه ما قاله فرعون في ملائه قال موسى في قومه: إني عذت بربي وربكم، ولذلك حكي فعل قوله معطوفا بالواو لأن ذلك القول لم يقع في محاورة مع مقال فرعون بخلاف الأقوال المحكية في سورة الشعراء [18- 31] من قوله: قال ألم نربك فينا وليدا إلى قوله: قال فأت به إن كنت من الصادقين. وقوله: عذت بربي وربكم من كل متكبر خطاب لقومه من بني إسرائيل تطمينا لهم وتسكينا لإشفاقهم عليه من بطش فرعون. والمعنى: إني أعددت العدة لدفع بطش فرعون العوذ بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وفي مقدمة هؤلاء المتكبرين فرعون. ومعنى ذلك: أن موسى علم أنه سيجد مناوين متكبرين يكرهون ما أرسله الله به إليهم، فدعا ربه وعلم أن الله ضمن له الحفظ وكفاه ضير كل معاند، وذلك ما حكي في سورة طه [45، 46] : قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٢٦) ↗