سورة النساء · الآية ٥٢
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة، وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت، وكذلك حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله - عبدة الأصنام - على طريق المؤمنين، فقال: { ويقولون للذين كفروا } أي: لأجلهم، تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم، وأقل عقولهم!! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم، والوادي الذميم؟!! هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا، وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع، ولهذا قال تعالى عنهم: { أولئك الذين لعنهم الله } أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته. { ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان. { أم لهم نصيب من الملك } أي: فيفضلون من شاؤوا على من شاؤوا بمجرد أهوائهم، فيكونون شركاء لله في تدبير المملكة، فلو كانوا كذلك لشحوا وبخلوا أشد البخل، ولهذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} في اليهود والنصارى، حين قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة:18] ، وفي قولهم: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة:111] . وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم (1) . وكذا قال عكرمة، وأبو مالك. روى ذلك ابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد [صلى الله عليه وسلم] (2) {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا} (3) رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشر بن أبي عمرو (4) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال (5) الله [تعالى] (6) إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له" وأنزل الله: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} ثم قال: وروي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة، والضحاك -نحو ذلك. وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم. وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية. وقد جاء في الحديث الصحيح عند (7) مسلم، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب (8) . وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يثني على رجل، فقال: "ويحك. قطعت عنق صاحبك". ثم قال: "إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا ولا يزكي على الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله، عنادا منهم لله ولرسوله , وبقولهم: {للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] {ومن يلعن الله} [النساء: 52] يقول: " ومن يخزه الله فيبعده من رحمته {فلن تجد له نصيرا} [النساء: 52] يقول: " فلن تجد له يا محمد ناصرا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحل به فيدفع ذلك عنه؛ كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا، يعني من قولهما: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنزل الله: {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} [النساء: 52] "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٤٨) ↗التحرير والتنوير
وانتصب فتيلا على النيابة عن المفعول المطلق، لأنه على معنى التشبيه، إذ التقدير: ظلما كالفتيل، أي بقدره، فحذفت أداة التشبيه، وهو كقوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] . وقوله: انظر كيف يفترون على الله الكذب جعل افتراءهم الكذب، لشدة تحقق وقوعه، كأنه أمر مرئي ينظره الناس بأعينهم، وإنما هو مما يسمع ويعقل، وكلمة وكفى به إثما مبينا نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب (كفى به كذا) ، وقد تقدم القول في (كفى) عند قوله آنفا وكفى بالله نصيرا [الفتح: 28] . [51، 52] 52] ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مر ذكرها في قوله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة [النساء: 44] فإن إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأن أول قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا، لا تسجد لهن ولا تعبدهن) . وتقدم بيان تركيب ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آنفا في سورة آل عمران [23] . والجبت: كلمة معربة من الحبشية، أي الشيطان والسحر لأن مادة: ج- ب- ت مهملة في العربية، فتعين أن تكون هذه الكلمة دخيلة. وقيل: أصلها جبس: وهو ما لا خير فيه، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم: يا لعن الله بني السعلات، وعمرو بن يربوع شرار النات، ليسوا أعفاء ولا أكيات، أي شرار الناس ولا بأكياس. وكما قالوا: الجت بمعنى الجس.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٨٥) ↗