سورة النساء · الآية ٤٦
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا ذم لمن { أوتوا نصيبا من الكتب } وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم، فأخبر أنهم، في أنفسهم { يشترون الضللة } أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة، ومع هذا { يريدون أن تضلوا السبيل }. فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، باذلون جهدهم في ذلك، ولكن لما كان الله ولي عباده المؤمنين وناصرهم، بين لهم ما اشتملوا عليه من الضلال والإضلال، ولهذا قال: { وكفى بالله وليا } أي: يتولى أحوال عباده، ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم. { وكفى بالله نصيرا } ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر. ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم، وإيثارهم الباطل على الحق فقال: { من الذين هادوا } أي: اليهود وهم علماء الضلال منهم. { يحرفون الكلم عن مواضعه } إما بتغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها، بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك. فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم { يقولون سمعنا وعصينا } أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن الانقياد، وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن الأدب، فيقولون: { واسمع غير مسمع } قصدهم: اسمع منا غير مسمع ما تحب، بل مسمع ما تكره، { ورعنا } قصدهم بذلك الرعونة، بالعيب القبيح، ويظنون أن اللفظ - لما كان محتملا لغير ما أرادوا من الأمور - أنه يروج على الله وعلى رسوله، فتوصلوا بذلك اللفظ الذي يلوون به ألسنتهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
[والملائكةالناس أجمعين] (1) . {وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: "راعنا" وإنما يريدون الرعونة. وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} [البقرة:104] . ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه: {ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} يعني: بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة:88] والمقصود: أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا. يقول تعالى -آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم (2) الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددا لهم أن (3) يفعلوا، بقوله: {من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} قال بعضهم: معناه: من قبل أن نطمس وجوها. طمسها (4) هو ردها إلى الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوها فلا يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار. قال العوفي عن ابن عباس: {من قبل أن نطمس وجوها} وطمسها أن تعمى {فنردها على أدبارها} يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين (5) من قفاه. وكذا قال قتادة، وعطية العوفي. وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سدا [ومن خلفهم سدا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ثناؤه: {من الذين هادوا يحرفون الكلم} [النساء: 46] وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون معناه: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرفون الكلم فيكون قوله: {من الذين هادوا} [النساء: 46] من صلة الذين. وإلى هذا القول كانت عامة أهل العربية من أهل الكوفة يوجهون. قوله: {من الذين هادوا يحرفون} [النساء: 46] والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يحرف الكلم عن مواضعه. فتكون من محذوفة من الكلام اكتفاء بدلالة قوله: {من الذين هادوا} [النساء: 46] عليها، وذلك أن من لو ذكرت في الكلام كانت بعضا لمن ,
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٠١) ↗التحرير والتنوير
46] من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) يجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا. ومن تبعيضية، وهي خبر لمبتدإ محذوف دلت عليه صفته وهي جملة يحرفون والتقدير: قوم يحرفون الكلم. وحذف المبتدإ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف وذلك إذا كان المبتدأ موصوفا بجملة أو ظرف، وكان بعض اسم مجرور بحرف من، وذلك الاسم مقدم على المبتدإ. ومن كلمات العرب المأثورة قولهم: «منا ظعن ومنا أقام» أي منا فريق ظعن ومنا فريق أقام. ومنه قول ذي الرمة: فظلوا ومنهم دمعه غالب له ... وآخر يذري دمعة العين بالهمل أي ومنهم فريق، بدليل قوله في العطف وآخر. وقول تميم بن مقيل: وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقد دل ضمير الجمع في قوله يحرفون أن هذا صنيع فريق منهم، وقد قيل: إن المراد به رفاعة بن زيد بن التابوت من اليهود، ولعل قائل هذا يعني أنه من جملة هؤلاء الفريق، إذ لا يجوز أن يكون المراد واحدا ويؤتى بضمير الجماعة، وليس المقام مقام إخفاء حتى يكون على حد قوله عليه السلام: «ما بال أقوام يشترطون» إلخ. ويجوز أن يكون من الذين هادوا صفة للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، وتكون من بيانية أي هم الذين هادوا، فتكون جملة يحرفون حالا من قوله: الذين هادوا. وعلى الوجهين فقد أثبتت لهم أوصاف التحريف والضلالة ومحبة ضلال المسلمين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٧٤) ↗