سورة النساء · الآية ٣٩
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أي شيء عليهم، وأي حرج ومشقة تلحقهم، لو حصل منهم الإيمان بالله، الذي هو الإخلاص، وأنفقوا من أموالهم التي رزقهم الله وأنعم بها عليهم، فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق، ولما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله، أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: { وكان الله بهم عليما }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٣٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله (1) ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود. وإنه على ذلك لشهيد} [العاديات: 6، 7] أي: بحاله وشمائله، {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: 8] وقال هاهنا: {ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ولهذا توعدهم بقوله: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه. وفي الحديث: "إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه" (2) وفي الدعاء النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها -ويروى: قائليها-وأتممها علينا" (3) . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد. ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم: العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك. وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي: "إن أباك رام …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
صدقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالبعث بعد الممات، وصدقوا بأن الله مجازيهم بأعمالهم يوم القيامة {وأنفقوا مما رزقهم الله} [النساء: 39] يقول وأدوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله , وأعطاهموها طيبة بها أنفسهم، ولم ينفقوها رئاء الناس التماس الذكر والفخر عند أهل الكفر بالله، والمحمدة بالباطل عند الناس، وكان الله بهؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم ينفقون أموالهم رئاء الناس نفاقا، وهم بالله واليوم الآخر مكذبون، عليما، يقول: ذا علم بهم وبأعمالهم وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم، وما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة في الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها جزاءهم عند معادهم إليه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٨) ↗التحرير والتنوير
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ذكرهم في الجملة السابقة، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ضده وما يشبه ضده من كل إحسان غير صالح فقوبل الخلق الذي دعاهم الله إليه بأخلاق أهل الكفر وحزب الشيطان كما دل عليه ما في خلال هذه الجملة من ذكر الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. فيكون قوله: الذين يبخلون مبتدأ، وحذف خبره ودل عليه قوله: وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا. وقصد العدول عن العطف: لتكون مستقلة، ولما فيه من فائدة العموم، وفائدة الإعلام بأن هؤلاء من الكافرين. فالتقدير: الذين يبخلون أعتدنا لهم عذابا مهينا وأعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم، وتكون جملة: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس معطوفة أيضا على جملة الذين يبخلون محذوفة الخبر أيضا، يدل عليه قوله: ومن يكن الشيطان له قرينا إلخ. والتقدير: والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس قرينهم الشيطان. ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها. ويجوز أن يكون الذين يبخلون بدلا من (من) في قوله: من كان مختالا فخورا [النساء: 36] فيكون قوله: والذين ينفقون أموالهم معطوفا على الذين يبخلون، وجملة وأعتدنا معترضة. وهؤلاء هم المشركون المتظاهرون بالكفر، وكذلك المنافقون. والبخل- بضم الباء وسكون الخاء- اسم مصدر بخل من باب فرح، ويقال البخل- بفتح الباء والخاء- وهو مصدره القياسي، قرأه الجمهور- بضم الباء- وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف- بفتح الباء والخاء-.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٥٢) ↗