البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة النساء · الآية ٣٨

﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له، في جميع العبادات الظاهرة والباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا لا شركا أصغر ولا أكبر، لا ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد. ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام بحقه، أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب. فقال: { وبالولدين إحسانا } أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف والفعل الجميل، بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان. وكلاهما منهي عنه. { وبذي القربى } أيضا إحسانا، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله. { واليتمى } أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، فلهم حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم، بكفالتهم، وبرهم، وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية، في مصالح دينهم ودنياهم. { والمسكين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه. { والجار ذي القربى } أي: الجار القريب الذي له حقان، حق الجوار وحق القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف. وكذلك { الجار الجنب } أي: الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب بابا، كان آكد حقا، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال، وعدم أذيته بقول أو فعل. { والصاحب بالجنب } قيل: الرفيق في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها -ويروى: قائليها-وأتممها علينا" (3) . وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال: {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد. ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم: العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك. وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعدي: "إن أباك رام أمرا فبلغه". وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه، وإعتاقه؟ فقال: "لا إنه لم يقل يوما من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". ولهذا قال: {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا] (4) } أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان؛ فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح {ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} ولهذا قال الشاعر (5)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٣٠٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[النساء: 38] والذين في موضع خفض عطفا على الكافرين وقوله: {رئاء الناس} [البقرة: 264] يعني: " ينفقه مراءاة الناس في غير طاعة الله أو غير سبيله , ولكن في سبيل الشيطان. {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [النساء: 38] يقول: " ولا يصدقون بوحدانية الله ولا بالميعاد إليه يوم القيامة، الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن. وقد قال مجاهد: إن هذا من صفة اليهود، وهو صفة أهل النفاق الذين كانوا أهل شرك فأظهروا الإسلام تقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به، وهم على كفرهم مقيمون أشبه منهم بصفة اليهود؛ لأن اليهود كانت توحد الله وتصدق بالبعث والمعاد، وإنما كان كفرها تكذيبها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وبعد ففي فصل الله بين صفة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وصفة الفريق الآخر الذين وصفهم في الآية قبلها، وأخبر أن لهم عذابا مهينا، بالواو الفاصلة بينهم ما ينبئ عن أنهما صفتان من نوعين من الناس مختلفي المعاني، وإن كان

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٦) ↗

التحرير والتنوير

الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا، جيء به عقب الأمر بالإحسان لمن جرى ذكرهم في الجملة السابقة، ومناسبة إرداف التحريض على الإحسان بالتحذير من ضده وما يشبه ضده من كل إحسان غير صالح فقوبل الخلق الذي دعاهم الله إليه بأخلاق أهل الكفر وحزب الشيطان كما دل عليه ما في خلال هذه الجملة من ذكر الكافرين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. فيكون قوله: الذين يبخلون مبتدأ، وحذف خبره ودل عليه قوله: وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا. وقصد العدول عن العطف: لتكون مستقلة، ولما فيه من فائدة العموم، وفائدة الإعلام بأن هؤلاء من الكافرين. فالتقدير: الذين يبخلون أعتدنا لهم عذابا مهينا وأعتدنا ذلك للكافرين أمثالهم، وتكون جملة: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس معطوفة أيضا على جملة الذين يبخلون محذوفة الخبر أيضا، يدل عليه قوله: ومن يكن الشيطان له قرينا إلخ. والتقدير: والذين ينفقون أموالهم رثاء الناس قرينهم الشيطان. ونكتة العدول إلى العطف مثل نكتة ما قبلها. ويجوز أن يكون الذين يبخلون بدلا من (من) في قوله: من كان مختالا فخورا [النساء: 36] فيكون قوله: والذين ينفقون أموالهم معطوفا على الذين يبخلون، وجملة وأعتدنا معترضة. وهؤلاء هم المشركون المتظاهرون بالكفر، وكذلك المنافقون. والبخل- بضم الباء وسكون الخاء- اسم مصدر بخل من باب فرح، ويقال البخل- بفتح الباء والخاء- وهو مصدره القياسي، قرأه الجمهور- بضم الباء- وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف- بفتح الباء والخاء-.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٥٢) ↗