سورة النساء · الآية ٢٨
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بمنته العظيمة، ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين، وسهولة دينه، فقال: { يريد الله ليبين لكم } أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم، وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. { ويتوب عليكم } أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم، حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله، فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم، فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة، وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك. وقوله: { والله عليم حكيم } أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة. وقوله: { والله يريد أن يتوب عليكم } أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. { ويريد الذين يتبعون الشهوات } أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون { أن تميلوا ميلا عظيما } أي: [أن] تنحرفوا عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى من الشقاوة كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
صلاة في كل يوم وليلة" (1) فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس (2) قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا [قال الله عز وجل: "هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها"] (3) الحديث. نهى (4) تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما-قال: هو الذي قال الله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله [ {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ] (5) قال: إنها [كلمة] (6) محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف (7) للناس (8) ! فأنزل الله بعد ذلك: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] الآية، [وكذا قال قتادة بن دعامة] (9) . وقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (10) قرئ: تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر (11) المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات، عند خوفكم العنت على أنفسكم، ولم تجدوا طولا لحرة لئلا تزنوا، لقلة صبركم على ترك جماع النساء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٦٢٤) ↗التحرير والتنوير
يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) أعقب الاعتذار الذي تقدم بقوله: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم [النساء: 26] بالتذكير بأن الله لا يزال مراعيا رفقه بهذه الأمة وإرادته بها اليسر دون العسر، إشارة إلى أن هذا الدين بين حفظ المصالح ودرء المفاسد، في أيسر كيفية وأرفقها، فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقة أو تعطيل مصلحة، كما ألغت مفاسد نكاح الإماء نظرا للمشقة على غير ذي الطول. والآيات الدالة على هذا المعنى بلغت مبلغ القطع كقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] وقوله: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185] وقوله: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف: 157] ، وفي الحديث الصحيح: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه» ، وكذلك كان يأمر أصحابه الذين يرسلهم إلى بث الدين فقال لمعاذ وأبي موسى: «يسرا ولا تعسرا» وقال: (إنما بعثتم مبشرين لا منفرين) . وقال لمعاذ لما شكا بعض المصلين خلفه من تطويله «أفتان أنت» . فكان التيسير من أصول الشريعة الإسلامية، وعنه تفرعت الرخص بنوعيها. وقوله: وخلق الإنسان ضعيفا تذييل وتوجيه للتخفيف، وإظهار لمزية هذا الدين وأنه أليق الأديان بالناس في كل زمان ومكان، ولذلك فما مضى من الأديان كان مراعى فيه حال دون حال، ومن هذا المعنى قوله تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية في سورة الأنفال [66] . وقد فسر بعضهم الضعف هنا بأنه الضعف من جهة النساء. قال طاووس «ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء» وليس مراده حصر معنى الآية فيه، ولكنه مما روعي في الآية لا محالة، لأن من الأحكام المتقدمة ما هو ترخيص في النكاح
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢٢) ↗