البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ٢٦

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى بمنته العظيمة، ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين، وسهولة دينه، فقال: { يريد الله ليبين لكم } أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم، وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. { ويتوب عليكم } أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم، حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله، فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم، فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة، وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك. وقوله: { والله عليم حكيم } أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة. وقوله: { والله يريد أن يتوب عليكم } أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. { ويريد الذين يتبعون الشهوات } أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون { أن تميلوا ميلا عظيما } أي: [أن] تنحرفوا عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى من الشقاوة كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

صلاة في كل يوم وليلة" (1) فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس (2) قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسا [قال الله عز وجل: "هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها"] (3) الحديث. نهى (4) تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما-قال: هو الذي قال الله عز وجل: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله [ {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ] (5) قال: إنها [كلمة] (6) محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف (7) للناس (8) ! فأنزل الله بعد ذلك: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] الآية، [وكذا قال قتادة بن دعامة] (9) . وقوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (10) قرئ: تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر (11) المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٦١٨) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: ذلك لمن خشي العنت منكم إشارة إلى الحكم الصالح لأن يتقيد بخشية العنت، وذلك الحكم هو نكاح الإماء. والعنت: المشقة، قال تعالى: ولو شاء الله لأعنتكم [البقرة: 220] وأريد به هنا مشقة العزبة التي تكون ذريعة إلى الزنا، فلذلك قال بعضهم: أريد العنت الزنا. وقوله: وأن تصبروا خير لكم أي إذا استطعتم الصبر مع المشقة إلى أن يتيسر له نكاح الحرة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذل العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجه. وقوله: والله غفور رحيم أي إن خفتم العنت ولم تصبروا عليه، وتزوجتم الإماء، وعليه فهو مؤكد لمعنى الإباحة. مؤذن بأن إباحة ذلك لأجل رفع الحرج، لأن الله رحيم بعباده. غفور فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما ما يقتضي مقصد الشريعة تحريمه، فليس هنا ذنب حتى يغفر. [26] 26] يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام المتقدمة من أول السورة إلى هنا، فإنها أحكام جمة وأوامر ونواه تفضي إلى خلع عوائد ألفوها، وصرفهم عن شهوات استباحوها، كما أشار إليه قوله بعد هذا ويريد الذين يتبعون الشهوات [النساء: 27] ، أي الاسترسال على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأعقب ذلك ببيان أن في ذلك بيانا وهدى. حتى لا تكون شريعة هذه الأمة دون شرائع الأمم التي قبلها، بل تفوقها في انتظام أحوالها، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرمات. فقوله: يريد الله ليبين لكم تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كي لا يضلوا كما ضل من قبلهم، ففيه أن هذه الشريعة أهدى مما قبلها. وقوله: ويهديكم سنن الذين من قبلكم بيان لقصد إلحاق هذه الأمة بمزايا الأمم التي قبلها.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٨) ↗