سورة النساء · الآية ٢٢
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لا تتزوجوا من النساء ما تزوجهن آباؤكم أي: الأب وإن علا. { إنه كان فاحشة } أي: أمرا قبيحا يفحش ويعظم قبحه { ومقتا } من الله لكم ومن الخلق، بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه والأب ابنه، مع الأمر ببره. { وسآء سبيلا } أي: بئس الطريق طريقا لمن سلكه، لأن هذا من عوائد الجاهلية، التي جاء الإسلام بالتنزه عنها والبراءة منها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٢٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني عن عكرمة، عن ابن عباس -قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس-: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. هكذا رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، من حديث أبي إسحاق الشيباني -واسمه سليمان بن أبي سليمان-عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى-كلاهما عن ابن عباس بما تقدم (1) . وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وذلك أن الرجل كان (2) يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي نهى عن ذلك. تفرد به أبو داود (3) وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو (4) ذلك، فقال وكيع عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا، كان أحق بها، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} (5) . وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى (6) عليها حميمه (7) ثوبه، فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٢٣٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٥٤٨) ↗التحرير والتنوير
سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلقها، حكى ذاك فخر الدين الرازي، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظنة بأنها أتت ما لا يرضي الزوج، فقد يصد ذلك الراغبين في التزوج عن خطبتها، ولذلك لما أذن الله للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة، صار أخذ المال منهن بدون ذلك يوهم أنه أخذه في محل الإذن بأخذه، هذا أظهر الوجوه في جعل هذا الأخذ بهتانا. وأما كونه إثما مبينا فقد جعل هنا حالا بعد الإنكار، وشأن مثل هذا الحال أن تكون معلومة الانتساب إلى صاحبها حتى يصبح الإنكار باعتبارها، فيحتمل أن كونها إثما مبينا قد صار معلوما للمخاطبين من قوله: فلا تأخذوا منه شيئا، أو من آية البقرة [229] ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله أو مما تقرر عندهم من أن حكم الشريعة في الأموال أن لا تحل إلا عن طيب نفس. وقوله: وكيف تأخذونه استفهام تعجيبي بعد الإنكار، أي ليس من المروءة أن تطمعوا في أخذ عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج وعهد متين. والإفضاء الوصول، مشتق من الفضاء، لأن في الوصول قطع الفضاء بين المتواصلين والميثاق الغليظ عقدة النكاح على نية إخلاص النية ودوام الألفة، والمعنى أنكم كنتم على حال مودة وموالاة، فهي في المعنى كالميثاق على حسن المعاملة. والغليظ صفة مشبهة من غلظ- بضم اللام- إذا صلب، والغلظة في الحقيقة صلابة الذوات، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدتها في أنواعها، قال تعالى: قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة [التوبة: 123] . وقد ظهر أن مناط التحريم هو كون أخذ المال عند طلب استبدال الزوجة بأخرى، فليس هذا الحكم منسوخا بآية البقرة خلافا لجابر بن زيد إذ لا إبطال لمدلول هذه الآية. [22] 22] ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) عطف على جملة لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها [النساء: 19] ، والمناسبة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٩٠) ↗