البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ٢١

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت. فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: { كرها }. وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها، لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل. ثم قال: { وعاشروهن بالمعروف } وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال. { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } أي: ينبغي لكم - أيها الأزواج - أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرا كثيرا. من ذلك امتثال أمر الله، وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. ومنها أن إجباره نفسه - مع عدم محبته لها - فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا، نفع والديه في الدنيا والآخرة. وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور. فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم. بل متى { أردتم استبدال زوج مكان زوج } أي: تطليق زوجة، وتزوج أخرى. أي: فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج. ولكن إذا { آتيتم إحداهن } أي: المفارقة، أو التي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني عن عكرمة، عن ابن عباس -قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس-: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. هكذا رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، من حديث أبي إسحاق الشيباني -واسمه سليمان بن أبي سليمان-عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى-كلاهما عن ابن عباس بما تقدم (1) . وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} وذلك أن الرجل كان (2) يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي نهى عن ذلك. تفرد به أبو داود (3) وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو (4) ذلك، فقال وكيع عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا، كان أحق بها، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} (5) . وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى (6) عليها حميمه (7) ثوبه، فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٢٣٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وتلامستم، وهذا كلام وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقول الرجل لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راض به؟ على معنى التهديد والوعيد،

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٥٤٠) ↗

التحرير والتنوير

استخفاف الأعداء بهم، وطمعهم فيهم، وذهاب عزهم المفضي إلى استعبادهم، أما المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كرهه فيها، ورام فراقها، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها، فكان حاله مقتضيا بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات، ولا يناسب أن يبين له أن في بعض الأمور المحبوبة شرورا لكونه فتحا لباب التعلل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم. وأسند جعل الخير في المكروه هنا لله بقوله: ويجعل الله فيه خيرا كثيرا المقتضي أنه جعل عارض لمكروه خاص، وفي سورة البقرة [216] قال: وهو خير لكم لأن تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة، ليكون رجاء الخير من القتال مطردا في جميع الأحوال غير حاصل بجعل عارض، بخلاف هذه الآية، فإن الصبر على الزوجة الموذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتها، يكون جعل الخير في ذلك جزاء من الله على الامتثال. [20، 21] وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) لا جرم أن الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضده، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطرادا واستيفاء للأحكام. فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوج امرأة أخرى. والاستبدال: التبديل. وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير في سورة البقرة [61] أي إن لم يكن سبب للفراق إلا إرادة استبدال زوج بأخرى فيلجيء التي يريد فراقها، حتى تخالعه، ليجد ما لا يعطيه مهرا للتي رغب فيها، نهى عن أن يأخذوا شيئا مما أعطوه أزواجهم من مهر وغيره

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٨٨) ↗