سورة النساء · الآية ١٧٥
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يمتن تعالى على سائر الناس بما أوصل إليهم من البراهين القاطعة والأنوار الساطعة، ويقيم عليهم الحجة، ويوضح لهم المحجة، فقال: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم } أي: حجج قاطعة على الحق تبينه وتوضحه، وتبين ضده. وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية، الآيات الأفقية والنفسية سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53]. وفي قوله: { من ربكم } ما يدل على شرف هذا البرهان وعظمته، حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، فمن تربيته لكم التي يحمد عليها ويشكر، أن أوصل إليكم البينات، ليهديكم بها إلى الصراط المستقيم، والوصول إلى جنات النعيم. { وأنزلنآ إليكم نورا مبينا } وهو هذا القرآن العظيم، الذي قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين، والأخبار الصادقة النافعة، والأمر بكل عدل وإحسان وخير، والنهي عن كل ظلم وشر، فالناس في ظلمة إن لم يستضيئوا بأنواره، وفي شقاء عظيم إن لم يقتبسوا من خيره. ولكن انقسم الناس - بحسب الإيمان بالقرآن، والانتفاع به - قسمين: { فأما الذين آمنوا بالله } أي: اعترفوا بوجوده، واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب. { واعتصموا به } أي: لجأوا إلى الله واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، واستعانوا بربهم. { فسيدخلهم في رحمة منه وفضل } أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة، فيوفقهم للخيرات، ويجزل لهم المثوبات، ويدفع عنهم البليات والمكروهات. { ويهديهم إليه صراطا مستقيما } أي: يوفقهم للعلم والعمل، معرفة الحق والعمل به. أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالا مبينا، عقوبة لهم على تركهم الإيمان، فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٧٤–١٧٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أجورهم: أدخلهم الجنة". {ويزيدهم من فضله} قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم". (1) وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد (2) . {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك {فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} كما قال تعالى {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين. يقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا (3) بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} أي: ضياء واضحا على الحق، قال ابن جريج (4) وغيره: وهو القرآن. {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير. {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم وإحسانه إليهم، {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} أي: طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القرآن صراط الله المستقيم وحبل الله المتين ". وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٨١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وتمسكوا بالنور المبين الذي أنزل إلى نبيه؛ كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {واعتصموا به} [النساء: 175] قال: «بالقرآن» {فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} [النساء: 175] يقول: " فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما PageEndV07P713 ألحق أهل الإيمان به والتصديق برسله {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} [النساء: 175] يقول: " ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه , ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم، واتباع دينهم. وذلك هو الصراط المستقيم، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام. ونصب الصراط المستقيم على القطع من الهاء التي في قوله {إليه} [النساء: 175]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٧١٢) ↗التحرير والتنوير
أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين [الشعراء: 181] ولذلك قال هنا: ويزيدهم من فضله، وهذه التوفية والزيادة يرجعان إلى تقدير يعلمه الله تعالى. وقوله: ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا تأييس لهم إذ قد عرف عند العرب وغيرهم، من أمم ذلك العصر، الاعتماد عند الضيق على الأولياء والنصراء ليكفوا عنهم المصائب بالقتال أو الفداء، قال النابغة: يأملن رحلة نصر وابن سيار ولذلك كثر في القرآن نفي الولي، والنصير، والفداء- فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [آل عمران: 91] . [174، 175] يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) فذلكة للكلام السابق بما هو جامع للأخذ بالهدى ونبذ الضلال، بما اشتمل عليه القرآن من دلائل الحق وكبح الباطل. فالجملة استئناف وإقبال على خطاب الناس كلهم بعد أن كان الخطاب موجها إلى أهل الكتاب خاصة. والبرهان: الحجة، وقد يخصص بالحجة الواضحة الفاصلة، وهو غالب ما يقصد به في القرآن، ولهذا سمى حكماء الإسلام أجل أنواع الدليل، برهانا. والمراد هنا دلائل النبوءة. وأما النور المبين فهو القرآن لقوله: وأنزلنا والقول في جاءكم كالقول في نظيره المتقدم في قوله: قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم [النساء: 170] وكذلك القول في أنزلنا إليكم. و (أما) في قوله: فأما الذين آمنوا بالله يجوز أن يكون للتفصيل: تفصيلا لما دل عليه يا أيها الناس من اختلاف الفرق والنزعات: بين قابل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٦٢) ↗